وواقع الأهلّة أنّها تختلف في وقت الظهور إذا تباعدت البلدان بشكل معيّن .
وتأخّر ظهور الهلال دقيقتين عن وقت الغروب يؤخّر الشهر يوما كاملا .
فإذا رئي الهلال مساء يوم التاسع والعشرين من شعبان في بلدة ، وصام أهلها بناء على ذلك ، ولكنّ الهلال لم ير تلك الليلة في بلد أو بلدان أخرى ، فهل يتّبع أهل البلدة الثانية الأولى في صومهم ، وتعتبر رؤيتهم رؤية في حقّ الجميع ، أم يستقلّون بالبحث والنظر ، حتّى إذا لم يشاهدوه لم يصوموا يوم الثلاثين من شعبان ؟
اختلف الفقهاء في ذلك :
فقال الشافعيّة في الرأي المعتمد - والزيلعي وآخرون من الحنفيّة ومالك فيما روى عنه المدنيّون ، واختار هذا الرأي من أصحابه ابن الماجشون والمغيرة ، وهو أيضا مذهب عكرمة والقاسم ابن راهويه - أنّ رؤية الهلال في بلدة لا تعتبر رؤية في حقّ بلدة أخرى إذا كانت بعيدة عنها ، فلا يجب عليهم الصوم بذلك « 1 » .
وضابط البعد عندهم اختلفوا فيه إلى ثلاثة أوجه :
الوجه الأوّل : - وهو أصحّها ، وهو الذي قطع به جمهور العراقيّين وغيرهم - أنّ البعد المؤثّر ما اختلفت بسببه المطالع ، وغير المؤثّر ما لم تختلف بسببه المطالع .
الوجه الثاني : الاعتبار باتّحاد الأقاليم واختلافها ، فإن اتّحد الإقليم فمتقاربان ، وإلّا فمتباعدان .
الوجه الثالث : الاعتبار بمسافة القصر ، فإن كان البعد دون ذلك فهما متقاربان . وكلا هذين الوجهين ضعيف « 2 » .
واستدلّوا على ذلك بالسنّة ، والقياس .
وأمّا السنّة ؛ فلما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن كريب :
أنّ أمّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام ، قال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها ، واستهلّ عليّ رمضان وأنا بالشام ، فرأينا الهلال ليلة الجمعة ، ثمّ قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني ابن عبّاس ، ثمّ ذكر الهلال ، فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة
هامش
( 1 ) . المجموع ، ج 6 ، ص 274 ؛ فتح الباري ، ج 4 ، ص 87 ؛ بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 288 ؛ أحكام القرآن لابن العربي ، ج 1 ، ص 74 ؛ حاشية ابن عابدين ، ج 2 ، ص 99 .
( 2 ) . المجموع ، ج 6 ، ص 274 .