المبحث السادس : حكم من رأى الهلال وحده
أجمع العلماء على أنّ من أبصر هلال الصوم وحده ، أنّ عليه أن يصوم « 1 » ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته » . رواه البخاري ومسلم ، وسبق بيانه .
واختلفوا هل يفطر من رأى هلال شوّال وحده ؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى أنّه لا يفطر ؛ لما روي عن أبي قلابة :
أنّ رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياما فأتيا عمر فذكرا ذلك له ، فقال لأحدهما : أصائم أنت ؟ قال : بل مفطر . قال ما حملك على هذا ؟ قال : لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال . وقال : للآخر : قال إنّي صائم . قال : ما حملك على هذا ؟ قال : لم أكن لأفطر والناس صيام ، فقال للذي أفطر : لولا مكان هذا لأوجعت رأسك .
وإنّما أراد ضربه لإفطاره برؤيته وحده ، ودفع عن الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه ، ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعّده ؛ ولأنّ من رأى الرؤية وحده يحتمل أن يكون خيّل إليه ذلك فرأى شيئا أو شعرة من حاجبه ظنّها هلال ولم تكن « 2 » ، ولقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الفطر يوم يفطر الناس ، والأضحى يوم يضحّى الناس » رواه الترمذي وصحّحه . فالفطر لا يجوز إلّا إذا رأى شاهدان الهلال وحكم بذلك الحاكم وأفطر الناس .
ولذلك قال مالك : من أفطر وقد رأى الهلال وحده فعليه القضاء والكفّارة .
وقال أبو حنيفة : عليه القضاء فقط .
وقال الشافعيّة والظاهريّة وأبو ثور : من رأى هلال شوّال وحده لزمه الفطر ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » ويفطر لرؤية هلال شوّال سرّا ؛ لئلّا يتعرّض للتهمة في دينه وعقوبة السلطان « 3 » .
فالنبيّ ( عليه الصلاة والسلام ) قد أوجب الصوم والفطر للرؤية ، والرؤية إنّما تكون بالحسّ ، ولولا الإجماع على الصيام بالخبر عن الرؤية لبعد وجوب الصيام بالخبر لظاهر هذا الحديث ، فالراجح ما قاله الشافعيّة ومن رأى رأيهم ؛ لقوّة دليلهم .
هامش
( 1 ) . بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 285 .
( 2 ) . المغني ، ج 3 ، ص 11 .
( 3 ) . المجموع ، ج 6 ، ص 280 ؛ المحلّى ، ج 6 ، ص 235 .