مع مجاوزتها لها ، ولكن لا قائل به . هكذا ذكره ، لكن العراقيّين والصيدلاني وغيرهم اعتبروا ما قلنا ، وضبطوا التباعد بأن يكون حيث تختلف المطالع كالعراق والحجاز وخراسان والتقارب بأن لا تختلف كبغداد والكوفة والري وقزوين ، ومنهم اعتبر اتّحاد الإقليم واختلافه « 1 » .
ويتفرّع على الوجهين فرعان :
أحدهما : لو شرع في الصوم في بلد ثمّ سافر إلى بلد بعيد لم ير الهلال فيه في يومه الأوّل ، فإن قلنا : لكلّ بلدة حكمها فهل يلزمه أن يصوم معهم أم يفطر ؟ فيه وجهان :
أظهرهما - وبه قال القفّال وهو المذكور في الكتاب - : أنّه يصوم معهم ؛ لأنّه بالانتقال إلى بلدتهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم ، وقد روي أنّ ابن عبّاس رضي اللّه عنه أمر كريبا بأن يقتدي بأهل المدينة « 2 » .
والثاني : أنّه يفطر ؛ لأنّه التزم حكم البلدة الأولى ، فيستمرّ عليه ، وشبه ذلك بمن اكترى دابّة يجب الكراء بنقد البلد المنتقل عنه ، وأوهم في التهذيب ترجيح هذا الوجه .
وإن عممنا الحكم سائر البلاد فعلى أهل البلدة المنتقل إليها موافقته إن ثبت عندهم حال البلدة المنقل عنها ، إمّا بقوله لعدالته أو بطريق آخر ، وعليهم قضاء اليوم الأوّل ، ولك أن تقول قياسا على هذا : لو سافر من البلدة التي رئي فيها الهلال ليلة الجمعة إلى التي رئي فيها الهلال ليلة السبت ورئي هلال شوّال ليلة السبت ، فعليهم التعيّد معه وإن لم يصوموا إلّا ثمانية وعشرين يوما ويقضون يوما .
وعلى قياس الوجه الأوّل لا يلتفتون إلى قوله : رأيت الهلال ، وإن قبلنا في الهلال قول
هامش
( 1 ) . ونحن نميل إلى ترجيح الرأي القائل بأنّه لا عبرة باختلاف المطالع وهو رأي جمهور العلماء ؛ لقوّة دليله ، ولأنّه يتّفق مع القواعد الكلّية للشرع ، ومقاصد الشرع الحكيم من وحدة المسلمين وجمع كلمتهم ، وأنّه متى تحقّقت رؤية الهلال في بلد من البلاد الإسلامية يمكن القول بوجوب الصوم على جميع المسلمين ، ولكن لو حكم حاكم كما هو الحال في « مصر » في عهد بعض حكّامها باختلاف المطالع وجب العمل به ؛ لأنّ حكمه يرفع الخلاف ويصير الأمر متّفقا عليه . وهذه القواعد المهمّة التي غفل عنها كثير من الناس ، ونسأل الله العليّ الغفّار السلامة من الزلل والعصمة من الخطأ .
( 2 ) . وإذا قلنا بتوحيد المطالع فالمذياع يقوم مقام الإخبار بثبوت رؤية هلال رمضان ، والسماع من المذياع كالسماع من المخبر سواء بسواء . وهل يقوم التلغراف مقام الإخبار ؟ رأيت في فتاوى الشيخ عليش - وهو من علماء المالكية - على أنّه يعمل بالإشارات التلغرافية في الصوم ؛ لأنّ التلغراف أداة معتبرة للتخاطب من المسافات البعيدة والقريبة بين ملوك العالم وحكّامهم والناس أجمعين . كلّ ذلك بالقيد الذي ذكرناه ، وهو « حكم الحاكم » .