ولو أنّ أهل مصر لم يروا الهلال فأكملوا شعبان ثلاثين يوما ثمّ صاموا وفيهم رجل صام يوم الشكّ بنيّة رمضان ، ثمّ رأوا هلال شوّال عشيّة التاسع والعشرين من رمضان فصام أهل المصر تسعة وعشرين يوما وصام ذلك الرجل ثلاثين يوما فأهل المصر قد أصابوا وأحسنوا ، وأساء ذلك الرجل وأخطأ ؛ لأنّه خالف السنّة ؛ إذ السنة أن يصام رمضان لرؤية الهلال إذا كانت السماء مصحية أو بعدّ شعبان ثلاثين يوما كما نطق به الحديث ، وقد عمل أهل المصر بذلك وخالف الرجل ، فقد أصاب أهل المصر وأخطأ الرجل ، ولا قضاء على أهل المصر ؛ لأنّ الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين يوما ؛ لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الشهر هكذا وهكذا » وأشار إلى جميع أصابع يديه ، ثمّ قال : « الشهر هكذا وهكذا ثلاثا » وحبس إبهامه في المرّة الثالثة « 1 » ، فثبت أنّ الشهر قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين .
وقد روي عن أنس أنّه قال : صمنا على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تسعة وعشرين يوما أكثر ممّا صمنا ثلاثين يوما . ولو صام أهل بلد ثلاثين يوما وصام أهل بلد آخر تسعة وعشرين يوما ، فإن كان صوم أهل ذلك البلد برؤية الهلال وثبت ذلك عند قاضيهم ، أو عدّوا شعبان ثلاثين يوما ثمّ صاموا رمضان ، فعلى أهل البلد الآخر قضاء يوم ؛ لأنّهم أفطروا يوما من رمضان لثبوت الرمضانيّة برؤية أهل ذلك البلد ، وعدم رؤية أهل البلد لا يقدح في رؤية أولئك ؛ إذ العدم لا يعارض الوجود ، وإن كان صوم أهل ذلك البلد بغير رؤية هلال رمضان أو لم تثبت الرؤية عند قاضيهم ، ولا عدّوا شعبان ثلاثين يوما فقد أساءوا حيث تقدّموا رمضان بصوم يوم ، وليس على أهل البلد الآخر قضاؤه ؛ لما ذكرنا أنّ الشهر قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين .
هذا إذا كانت المسافة بين البلدين قريبة لا تختلف فيها المطالع ، فأمّا إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر ؛ لأنّ مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف ، فيعتبر في أهل كلّ بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر .
وحكي عن أبي عبد الله بن أبي موسى الضرير أنّه استفتي في أهل « إسكندرية » « 2 » أنّ
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في صحيحه في الصوم ، باب قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا نكتب ولا نحسب » برقم 1913 . ومسلم في صحيحه في الصوم ، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال برقم 1080 ، من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا .
( 2 ) . إسكندرية : مدينة تابعة لجمهوريّة مصر العربيّة على ساحل البحر ، وقد تكلّم ياقوت في معجم البلدان ، ج 1 ، ص 182 - 185 . فأطنب الكلام فيها ، فانظره .