فأمّا إذا كان عارفا بحساب المنازل أنّ غدا من شهر رمضان ، أو أخبره بذلك من هو من أهل المعرفة بذلك فصدّقه ، فنوى الصوم ، فهل يجزئه ؟ فيه وجهان :
أحدهما : يجزئه ، وهو قول أبي العبّاس بن سريج ، واختيار القاضي أبي الطيّب ؛ لأنّ ذلك سبب يتعلّق به غلبة الظنّ عنده ، فهو كما لو أخبره من يثق بخبره عن مشاهدة .
والثاني : أنّه لا يجزئه ؛ لأنّ النجوم والحساب لا مدخل لها في العبادات ، فلا يتعلّق بها حكم منهما .
إذا ثبت هذا ، فهل يلزمه بذلك الصوم ؟ قال ابن الصبّاغ : أمّا بالحساب فلا يختلف أصحابنا أنّه لا يجب عليه . وذكر الشيخ أبو إسحاق في المهذّب : أنّ الوجهين في الحساب بالوجوب .
وأمّا إذا أخبره برؤية هلال رمضان من يصدّقه ، ولم يقبل الحاكم شهادته ، قال ابن الصبّاغ :
فيبنى ذلك على أنّه هل يسلك به مسلك الإخبار ، أو مسلك الشهادة ؟
فإن قلنا : إنّه شهادة ، لم يلزمه حتّى يثبت عند الحاكم .
وإن قلنا : يسلك به مسلك الإخبار ، لزمه إذا صدّقه وإن لم يثبت عند الحاكم .
ويفترق الحال بين الوجوب وبين جواز الدخول ، فيكفي في الدخول ما لا يتعلّق به الوجوب ، ألا ترى أنّه إذا سمع مؤذّنا ، جاز له أن يقلّده ويصلّي ، ولا يلزمه ذلك حتّى يعلم دخول الوقت ، وكذلك الملتقط إذا ذكرت له العلامات في اللقطة ، جاز له الدفع إليه ، ولا يجب عليه إلّا ببيّنة .
فرع : وإن رأى إنسان هلال شهر رمضان وحده ، ولم يقبل الحاكم شهادته ، وجب عليه أن يصوم ،
وإن جامع فيه ، وجبت عليه الكفّارة ، وبه قال عامّة الفقهاء .
وقال أبو ثور ، والحسن « 1 » ، وعطاء « 2 » وإسحاق : لا يلزمه الصوم .
وقال أبو حنيفة : يلزمه الصوم ، ولكن إن جامع فيه لم تلزمه الكفارة .
دليلنا : قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته » . وهذا قد رأى ، ولأنّه عنده من شهر رمضان بيقين ، فلزمه الصوم . وإن جامع فيه وجبت عليه الكفّارة ، كما لو قبل الحاكم شهادته .
هامش
( 1 ) . أخرج أثر الحسن من طريقين بألفاظ متقاربة ابن أبي شيبه في المصنّف ، ج 2 ، ص 483 ، في الصيام .
( 2 ) . أخرج أثر عطاء عبد الرزّاق في المصنّف ( 7348 ) في الصيام .