تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 3262

مساهمون:

ص٣٢٦٢
وبدأت الحسابات تدلّ على استحالة بعض الشهادات ، ولعلّ أوّل من قال بهذا - إذا كانت الحسابات قطعيّة في النفي لا في الإثبات - هو تقي الدين السبكي « 1 » في النصف الأوّل من القرن الثامن الهجري ، حيث قال : وهاهنا صورة أخرى ، وهو أن يدلّ الحساب على عدم إمكان رؤيته ، فلو أخبرنا به بخبر واحد أو أكثر ممّن يحتمل خبره الكذب أو الغلط ، لم تقبل الشهادة ؛ لأنّ الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيّان ، والظنّ لا يعارض القطع فضلا عن أن يقدّم عليه ، والبيّنة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسّا وعقلا وشرعا ، والشرع لا يأتي بالمستحيلات « 2 » . ولم يثبت السبكي الشهر بالحساب لسبب ذكره ، فقال : إنّ الحساب - لدخول الشهر - إنّما يقتضي الإمكان ، ومجرّد الإمكان لا يجب أن يرتّب عليه الحكم ، والفرق بينه وبين أوقات الصلاة أن الغلط قد يحصل هنا كثيرا بخلاف أوقات الصلاة ، يحصل القطع أو قريب منه غالبا « 3 » ، فسبب أخذه بالحساب في النفي فقط هو أنّ علم الفلك في عصره - أي قبل سبعة قرون - كان قطعيّا في النفي دون الإثبات ، أو هكذا ظنّ السبكي ولذلك فإنّ السبكي ممّن يقول باعتماد الحساب في الإثبات أيضا إذا صار الحساب قطعيّا كما في عصرنا . وممّن قال به من المتأخّرين محمّد مصطفى المراغي شيخ الأزهر « 4 » ، والشيخ عليّ الطنطاوي حيث يقول : وهذا الحساب قطعي ، بينما الشهادة على الرؤية غير قطعيّة ، فربّما توهّم الشاهد أو كذب . وخلاصة رأي السبكي الذي يجمع بين العمل بحديث « صوموا لرؤيته » وبين حقائق علم الفلك هي أنّ نسأل أوّلا علماء الفلك : هل يمكن أن يرى الهلال هذه الليلة ؟ فإن قالوا : نعم ، تحرّينا رؤيته ، وإن قالوا بأنّه لا يمكن أن يرى رددنا شهادت الشهود ، وأنا أرجو ممّن يقرأ هذه الفتوى أن يفكّر في رأي السبكي ، فإنّ فيه العمل بالسنّة وفيه اتّباع
هامش
( 1 ) . هو تاج الدين عبد الوهاب بن عليّ السبكي ، ولد سنة 727 ، لازم الذهبي ، وتولّى القضاء حتّى انتهت إليه رئاسة القضاء بالشام ، فأصبح قاضي القضاة ، وقد امتحن وأوذي وسجن وصبر ، له الطبقات الكبرى والوسطى والصغرى ، والقواعد ، وقد شرح مختصر ابن الحاجب والمنهاج للبيضاوي ، توفّي بالطاعون سنة 771 ، انظر ابن قاضي شهبة ، طبقات الشافعيّة ، ج 3 ، ص 104 . ( 2 ) . السبكي ، الفتاوى ، ج 1 ، ص 209 . ( 3 ) . السبكي ، الفتاوى ، ج 1 ، ص 208 . ( 4 ) . نقلا عن الشيخ أحمد شاكر في كتابه أوائل الشهور العربيّة ، ص 15 .