المواصلات ، وأبخرة المصانع ، وتأثير دخان الملاحة الجويّة التي لا تخلو الأجواء منها ، فدخان الطائرات يشكّل قطعا صغيرة متفرّقة تعكس ضوء الشمس ، فتنير كما ينير الهلال فترى على شكل أهلّة ، وهذا مشاهد ومحسوس ، فعند ما تمرّ الطائرة فإنّ عمود الدخان المنطلق منها يشاهد خطّا أبيض يحسبه الرائي سحابا ممتدّا ثمّ ينقطع بعد ذلك ، فإذا غربت الشمس واختفت وراء الأفق ، فإنّ هذه الأجسام الصغيرة بحكم ارتفاعها لم تزل أشعة الشمس واقعة عليها لفترة بسيطة فترى كالأهلّة .
فهذه المستجدّات العصريّة وأمثالها قد تركت أثرا محسوسا في التشويش على رؤية الأهلّة ، فيجب الاحتياط من هذه المؤثّرات تحقيقا للرؤية الصحيحة ، وتخلّصا من بلوى الرؤية الوهميّة « 1 » .
الشهادة إذا وقعت بشيء مستبعد عقلا أو عادة ، فإنّها تردّ ولا تقبل ، وهنا في هذه اللحظة يجب علينا أن نستعين بالحساب الفلكي ، ونعتمد عليه إذا أدّى إلى نتيجة قطعيّة في رؤية الهلال أو عدم الرؤية ، إذا كان هذا من الحسّاب الثقة الذين يعتمد عليهم في هذا العلم .
أكّد لنا هذا المعنى ابن رشد ، فقال :
إذا أغمي الهلال رجع إلى الحساب بمسير القمر والشمس ، وهو مذهب مطرف بن الشخير ، وهو من كبار التابعين ، وحكى ابن سريج عن الشافعي أنّه قال : من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ، ثمّ تبيّن له من جهة الاستدلال أنّ الهلال المرئي قد غمّ ، فله أن يعقد الصوم ويجزيه « 2 » .
إنّ ردّ الشهادة في الحالات السابقة ليس هو من باب ردّ الشهادة بالحساب لذاته ، وإنّما هو من باب ردّ الظنّي بالقطعي ، ولذلك لم ترد الشهادة بقول الحاسب ( لا يرى ) إذا كان غير مقطوع به ، لكنّه موجود بعد غروب الشمس ، ولكن رؤيته عسيرة .
فالشهادة ردّت لوقوعها بشيء مستحيل والشرع لا يأتي بالمستحيلات ؛ لأنّ علمنا بغروب القمر قبل الشمس دليل قطعي على عدم وجوده في الأفق بعد غروبها ، والعلم بوقت غروب القمر كالعلم بموعد غروب الشمس فطريقهما واحد ، وإذا صحّ في أحدهما صحّ في
هامش
( 1 ) . الموانع الفلكيّة لدخول الأشهر الشرعيّة ص 56 ، د . أحمد عبد العزيز اللهيب .
( 2 ) . بداية المجتهد لابن رشد ، ج 1 ، ص 284 ؛ راجع يسألونك عن الدين والحياة ، ص 134 ، د . أحمد الشرباصي ومنحة المتعال في بيان ما يثبت به الهلال . محمّد بن عوض الدمياطي .