درجة يصعب على العقل تصوّرها ، حيث أقيمت محطّات فضائيّة ثابتة تستقبل مركبات تدور حول الأرض ، فهل يمكن أن يشكّ بعد ذلك في صحّة ويقين حساباته وأن يقاس هذا العلم في عصر الفضاء على ما كان عليه من البساطة والظنيّة « 1 » في الماضي ؟
أعتقد أنّ فقهاءنا الأجلّاء الذين عاشوا في العصور الماضية لو كانوا في عصرنا هذا لعدلوا عن آرائهم ، ولكانت نظرتهم الآن غير نظرتهم في العصور الماضية .
4 . أمّا بالنسبة لما ذكره ابن تيميّة من استنكاره لعلم الفلك ومهاجمته لمن اشتغل به ، فأرى أنّه يقصد ما كان يستخدمه العرّافون والمنجّمون في التدخّل في علوم الغيب ، حيث استخدمه الكهنة والسحرة ، ومن أجل هذا كان حكمه عليهم بقول رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد » ، حديث رواه أبو داود وابن ماجة « 2 » فقد تبيّن تحريم الأخذ بأحكام النجوم علما أو عملا من جهة الشرع « 3 » .
أمّا بالنسبة لحكمه على علم الفلك الحسابي - الذي نحن بصدد الحديث عنه في موضوعنا هذا - فهو العلم الذي بني على أصول ثابتة ونظريات علميّة دقيقة في حساب تحرّكات الأجرام وانضباطها ، وما ينتج عنها من آثار في الظواهر الفلكيّة ، فإنّ ابن تيميّة يعتبره علما صحيحا ، فيقول :
فأمّا الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب وصفاتها وتقادير حركاتها وما يتبع ذلك ، فهذا في الأصل علم صحيح لا ريب فيه كمعرفة الأرض وصفاتها ونحو ذلك « 4 » .
ومن خلال هذا البحث تبيّن لي أنّ ابن تيميّة قد بحث ودرس في هذا العلم ، وأتقنه في حدود إمكانيات عصره ، فأتى لنا بمصطلحات ونظريات فلكيّة أقرّها علماء الفلك في عصرنا هذا ، ونعطي مثالا لذلك حينما قال :
ومن معرفة الحساب الاستسرار والإبدار الذي هو الاجتماع والاستقبال « 5 » ، فالناس
هامش
( 1 ) . المرجع السابق .
( 2 ) . سنن أبي داود ، ج 4 ، ص 15 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ص 33 ، ح 3726 .
( 3 ) . الفتاوى ، ج 25 ، ص 200 .
( 4 ) . الفتاوى ، ج 25 ، ص 181 .
( 5 ) . الاستقبال هو استقبال القمر للشمس حينما يكون بدرا في منتصف الشهر ، حيث يقابل الشمس فيقع ضياء الشمس على وجهه المقابل للأرض فيعكسه على الأرض نورا .