بمعرفة الحساب والكتابة ، وربط التكليف في كلّ ذلك بعلامات واضحة محسوسة يستوي فيها الجاهل والمتعلّم ، والحكمة في ذلك تفيد استمرار تطبيق أحكام الشريعة في كلّ زمان ومكان دون تعب ولا مشقّة تيسيرا على العباد .
ولقد أكّد هذا ابن تيميّة في معرض احتجاجه لعدم جواز اعتماد الحساب فقال : « إنّ الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما . . . ولم يضبطوا سيره إلّا بالتعديل الذي يتّفق الحساب على أنّه غير مطّرد ، وإنّما هو تقريب » « 1 » هذا من جانب ، وفي مكان آخر قال : « وهذا من الأسباب الموجبة ؛ لئلّا يعمل بالكتاب والحساب في الأهلّة » « 2 » .
2 . أنّ الاعتماد على الحساب في تعيين أوائل الشهور مبني على الحدس والتخمين ، وليس فيه قطع ولا ظنّ غالب ، وهذا ما ذكره الزرقاني في شرحه على الموطّأ عن الإمام النووي قوله « إنّ عدم البناء على حساب المنجّمين ؛ لأنّه حدس وتخمين ، وإنّما يعتبر منه ما يعرف به القبلة والوقت » « 3 » ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر إنّ الاعتماد على الحساب في تعيين أوائل الشهور القمريّة هو من قبيل العرّافين والمنجّمين الذين يربطون الحوادث في الأرض ، وطوالع الحظوظ بحركات النجوم واقترانها ، فقد قال ابن تيميّة : « إنّ القول بالأحكام النجوميّة باطل عقلا ومحرّم شرعا » .
وعلّل ذلك بقوله : « إنّ حركة الفلك إن كان لها أثر ليست مستقلّة ، بل تأثير الأرواح وغيرها من الملائكة أشدّ من تأثيره ، وكذلك تأثير الأجسام الطبيعيّة التي في الأرض » « 4 » وحكم على من اعتمد على الحساب في الأهلّة بقوله : فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمّة في هذا الحكم ، بل يكون اتّبع غير سبيل المؤمنين « 5 » .
الاتّجاه الثاني : في إثبات الهلال وتحديد أوائل الشهور القمريّة بالحساب الفلكي .
هامش
( 1 ) . الفتاوي ، ج 25 ، ص 182 - 183 .
( 2 ) . الفتاوى ، ج 25 ، ص 181 .
( 3 ) . الزرقاني على الموطّأ ، ج 2 ، ص 154 ؛ والقسطلاني في إرشاد الساري ، ج 3 ، ص 356 ؛ المجموع شرح المهذب ، ج 6 ، ص 279 .
( 4 ) . الفتاوي ، ج 25 ، ص 198 - 199 .
( 5 ) . « العقل والفقه في تفسير الحديث النبوي حول إثبات الهلال بالحساب الفلكي في هذا العصر » لفضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقاء . مجلّة كليّة الدراسات الإسلاميّة والعربيّة ، العدد 11 ، سنة 1416 ه ، ص 3 ، الفتاوى لابن تيميّة ، ج 25 ، ص 165 .