1 . ذهب بعض المتأخّرين من الفقهاء ، وعلماء التفسير إلى استحسان الأخذ بالحساب الفلكي في تحديد هذه المواقيت ، وعلّل هذا البعض رأيه بأنّ إثبات أوّل شهر رمضان وأوّل شهر شوّال هو كإثبات مواقيت الصلاة ، حيث أجاز العلماء أن نعتمد على حساب علماء الفلك في صلواتنا الخمس كلّ يوم ، وقد استدلّوا على ذلك بالحديث الذي روي عن عبد الله بن عمر ( رضي اللّه عنهما ) أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتّى تروه ، فإن غمّ عليكم فاقدروا له » « 1 » .
قال ابن سريج : إنّ قوله : « فاقدروا له » خطاب لمن خصّه الله بالحساب ، وقوله في رواية « أخرى فأكملوا العدّة » خطاب للعامّة « 2 » ، وعن مطرف أيضا أنّ العارف بالحساب يعمل به في نفسه « 3 » .
ثمّ بيّن لنا ابن الصلاح ما قصده ابن سريج في عبارته السابقة ، فقال : معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلّة ، وأمّا معرفة الحساب فأمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد ، فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم ، وهذا الرأي الذي أراده ابن سريج .
وقد اختلف في النقل عنه في حكم من صام معرفة بالحساب عنده بثبوت الهلال ، ففي رواية عنه بالجواز ، ورواية أخرى بلزوم الصوم « 4 » .
وعن بعض الحنفيّة لا باس بالاعتماد على قول المنجّمين « 5 » . قال القشيري : إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلا ، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي ، وليس حقيقة الرؤية مشروطة في اللزوم ، فإنّ الاتّفاق على أنّ المحبوس في المطمورة « 6 » إذا علم بإتمام العدّة أو الاجتهاد أنّ اليوم من رمضان وجب عليه الصوم « 7 » ، وإذا لم ير الهلال ولا أخبره من رآه « 8 » ، من هذا يتّضح لنا أنّ رؤية الهلال هي الأصل
هامش
( 1 ) . أخرجه البخاري في الفتح ، ج 4 ، ص 98 ؛ ومسلم ، ج 2 ، ص 759 .
( 2 ) . عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي ، ج 3 ، ص 207 .
( 3 ) . مواهب الجليل ، ج 2 ، ص 388 ؛ المقدّمات لابن رشد ، ج 1 ، ص 188 .
( 4 ) . فتح الباري ، ج 4 ، ص 68 .
( 5 ) . عمدة القارئ بشرح صحيح البخاري ، ج 2 ، ص 23 ؛ رسائل ابن عابدين ، ج 1 ، ص 244 .
( 6 ) . المطمورة : مكان تحت الأرض ليخبأ فيه المال أو الحبّ ، استعمل للسجن ، والمقصود أنّ كلّ من كان في موضع لا يمكنه الاتّصال بمن يعلمه عن دخول رمضان يدخل في حكم من كان في المطمورة .
( 7 ) . عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ، ج 9 ، ص 23 .
( 8 ) . المرجع السابق وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ، ج 2 ، ص 205 .