فسّر القائلون به « فاقدروا له » بمعنى ضيّقوا له العدد من قوله ( تعالى ) :
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
« 1 » والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوما « 2 » وممّن قال بهذا الرأي الإمام أحمد بن حنبل : يجوز صوم يوم الشكّ إن كانت السماء مغيّمة « 3 » .
4 . إنّ قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتّى تروا الهلال » اشتمل الحديث على النهي مقيّدا بالرؤية لكنّه في قوّة الأمر عند ثبوتها ، إذ من المقرّر أصوليّا في قواعد تفسير النصوص : أنّ المنطوق إذا ورد فيه حكم ، أمرا كان أو نهيا ، وكان هذا الحكم مقيّدا بقيد معتبر في تشريعه « 4 » ، فإنّه ينتفي بانتفاء القيد ، ويثبت نقيضه عملا بمفهوم المخالفة عند الجمهور ، وما نحن فيه الحكم هو النهي مقيّدا بغاية ينتهي عندها ، وهي الرؤية ، فحكم النهي عن الصيام يستمرّ ما دامت رؤية الهلال لم تقع ، حتّى إذا وقعت الرؤية وثبت نقيض الحكم ، ونقيض النهي أمر ، فإنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ، فإذا رأيتم الهلال فصوموا » .
إذن يستفاد من هذا النصّ حكمان : أحدهما عن طريق المنطوق ، والثاني وهو حكم النقيض من الأوّل عن طريق مفهوم المخالفة ، وذلك تبعا لثبوت القيد وانتفائه .
والقيد هنا « حتّى تروا » فحكم ما قبل الغاية مخالف لحكم ما بعدها ، وإلّا ما كانت الغاية مقطعا « 5 » ، وهذا المعنى الثابت بالمفهوم المخالف قد جاء التصريح به من الرسول نفسه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث قال : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته » « 6 » فاتّحد مآل مضمون الحديثين ، وصار مؤدّاه « إذا رئي الهلال فصوموا » .
هذه حجّة الفقهاء وشرّاح الحديث الذين لا يأخذون بالاعتماد على الحساب الفلكي ، ويعتبرون رؤية الهلال هي الأساس في بداية الشهر القمري ، ودعموا رأيهم هذا بالأمور الآتية :
1 . من الأمور المسلّم بها أنّ الشريعة الإسلاميّة لم تكلّفنا في مواقيت الصوم والعبادات
هامش
( 1 ) . الطلاق ( 65 ) : 7 .
( 2 ) . المغني لابن قدامة ، ج 3 ، ص 6 ، المجموع شرح المهذب ، ج 6 ، ص 270 .
( 3 ) . شرح مسلم ، ج 3 ، ص 53 ؛ المغني لابن قدامة ، ج 3 ، ص 13 .
( 4 ) . يقصد بكونه معتبرا في تشريعه ، أي أورده المشرّع لغرض التشريع بوجه خاص لا لغرض آخر ، أي لتحديد مجال تطبيقه بحالة دون أخرى ، لا لتقرير الواقع مثل قوله تعالى :لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةًآل عمران ( 3 ) : 130 .
( 5 ) . بحوث فقهيّة مقارنة ، ص 22 د . البوطي ؛ وبحوث فقهيّة مقارنة ، ج 2 ، ص 385 د . فتحي الدريني .
( 6 ) . أخرجه النسائي في سننه ج 4 ، ص 132 - 133 .