كقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ولا تفطروا حتّى تروا الهلال ، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين » .
وأنّه ليس في شيء من الأحاديث نوط الحكم الشرعي بالحساب الفلكي وتسمية الشهر به شهرا ، بل تعليقه الحكم بأمر يقيني من رؤية أو إكمال يدلّ دلالة واضحة على نفي نوط الحكم بأيّ سبب آخر ، فإنّ هذا يفيد عدم الاعتماد على الحساب في هذا الحكم « 1 » .
3 . تفسير الحديث المشتمل على التقدير بما ينقض مفهوم التقدير الذي ذهب إليه القائلون بالحساب .
فسّر الأئمّة قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « فاقدروا له » بتفسيرين :
الأوّل : حمل التقدير على إتمامهم الشهر ثلاثين وإلى هذا المعنى ذهب الأئمّة أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور السلف « 2 » والبخاري أتبع حديث عبد الله بن عمر هنا برواية أخرى ، جاء فيها أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتّى تروه ، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين » « 3 » .
قال ابن حجر : قصد البخاري بذلك بيان المراد من قوله : « فاقدروا له » « 4 » .
وأيّد ابن رشد تفسير البخاري ، وعلّله بأنّ التقدير يكون بمعنى التمام ، ودعم رأيه بقوله ( تعالى ) :
قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
« 5 » أي تماما « 6 » .
وهذا أمر يقيني في واقع الحال لعصمة التشريع بخبره الصادق ، والذي هو من سنن الله الكونيّة ، إذ إنّ الشهر القمري لا ينقص عن ( 29 ) يوما ولا يزيد على ( 30 ) يوما ، وهذا ينصرف إلى استكمال شعبان قبل الصيام واستكمال رمضان قبل الإفطار ؛ إذ الأصل بقاء الشهر وكماله ، فلا يترك هذا الأصل إلّا ليقين بناء على أنّ ما يثبت بيقين لا يزول إلّا بمثله .
الثاني : بمعنى تضيّق عدد أيّام الشهر .
هامش
( 1 ) . فقه النوازل ، ج 2 ، ص 197 د . بكر عبد الله أبو زيد .
( 2 ) . حملوا عبارة « فاقدروا له » على تمام العدد ثلاثين يوما . راجع شرح مسلم على هامش القسطلاني ، ج 5 ، ص 53 .
( 3 ) . أخرجه البخاري في صحيحه ، ج 4 ، ص 97 .
( 4 ) . فتح الباري ، ج 4 ، ص 97 .
( 5 ) . الطلاق ( 65 ) : 3 .
( 6 ) . المقدّمات لابن رشد ، ج 1 ، ص 250 - 251 .