أمّا المالكيّة فلم يعتبروا برؤية العدل الواحد في إثبات الهلال ، ولم يوجبوا الصوم بمقتضاها على الجماعة ، وألزموا من رأى الهلال وحده بإعلام الإمام برؤيته لاحتمال أن يكون غيره رأى وأعلم فتجوز شهادتهما ، أمّا عند الشافعيّة والحنابلة ، فالصحيح عندهما رؤية العدل الواحد في هلال رمضان ، وإلزام الجميع الصيام بمقتضاها احتياطا للفرض « 1 » .
بهذا تكون الشريعة الإسلاميّة قد ربطت ميلاد شهر رمضان بالرؤية البصريّة للهلال استنادا إلى الحديث الذي رواه ابن عمر عن رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فاقدروا ثلاثين » « 2 » .
وهي تفسير لمعنى التقدير المطلق الوارد في الرواية الأولى التي ذكرناها وفي رواية أخرى عن البخاري ومسلم والنسائي ، فيما روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال :
« إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غمّ عليكم فصوموا ثلاثين » .
هذه الروايات جميعها الواردة عن رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تفيد ربط الصوم والإفطار برؤية الهلال الجديد وأنّ القدر عندما تمتنع الرؤية البصريّة لغيم أو ضباب ، أو أيّ مانع آخر . هذا من زاوية ، ومن زاوية أخرى تدلّ الروايات المختلفة دلالة صريحة على أصول شرعيّة في بداية الشهور ، وذلك بما يلي :
1 . أنّ الحديث دلّ بمجموعه على أنّ الشرع علّق الأحكام التعبّديّة الشهريّة على الأهلّة بطريقتي ( اليقين ، الرؤية أو الإكمال ) وذلك لسهولته ويسر يقينيّته ، ومن هنا لا يدخله الخطأ ، وهذه خصوصيّة العبادات التي تبنى فيها الأحكام على النصّ تعبّدا دون نظر إلى العلل ولا إعمال للأقيسة ، وهذا معروف في قواعد الشريعة وأصول فقهها بشأن العبادات ، ولا مجال للجدل فيه ، ولكنّه مفروض في النصوص التي نجدها غير معلّلة ، أمّا إذا ورد النصّ نفسه معلّلا فإنّ الأمر يختلف ، ويكون للعلّة تأثيرها في الحكم وجودا وعدما .
2 . أنّ الأحاديث دلّت بمجموعها على انحصار الوصول إلى اليقين المذكور بأحد الطريقين في الصيام : إمّا بالرؤية البصريّة ، وإمّا بالإكمال ، فمنها ما يفيد بمنطوقه وجوب الصوم والفطر بعد الرؤية أو الإكمال لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين » ومنها ما يفيد منطوقه تحريم الصوم والفطر قبل الرؤية والإكمال
هامش
( 1 ) . المهذّب للشيرازي ، ج 2 ، ص 179 ، والمغني لابن قدامة ، ج 3 ، ص 8 ؛ وكشّاف القناع ، ج 2 ، ص 34 .
( 2 ) . أخرجه النسائي في سننه ، ج 4 ، ص 33 .