ولقد أشرنا من قبل إلى العوامل التي أدّت - في نظرنا - إلى هذه الفوضى وهذا الانحطاط ، وهي تتلخّص فيما يلي :
أ ) انعدام الحوار بين أغلبيّة الفقهاء والفلكيّين .
ب ) قلّة المعرفة الفلكيّة الأساسيّة الضروريّة عند جلّ الفئات الاجتماعيّة وخاصّة عند الفقهاء والمسؤولين .
ج ) عدم مواكبة التطوّر العلمي الذي عرفته هذه المسألة منذ القدم إلى اليوم ، وذلك من طرف الحكّام ( وهم المعنيّون والمسؤولون الأوّلون بمسألة ضبط المواقيت للمجتمع ) وكذلك من طرف الفقهاء والمثقّفين .
إنّنا نقول بوضوح إنّ على الفقهاء أن يتخلّوا عن انغلاقهم الذي جعلهم يرفضون التعامل مع المستجدّات العلميّة في هذه المسألة ، ويتمسّكون بالآراء الفقهيّة القديمة التي وضعت وقت انعدام المعرفة الفلكيّة عند المسلمين .
وعلى الفقهاء أيضا أن يتفتّحوا ويتعرّفوا على التطوّر الذي عرفته الإنسانيّة في العلوم عموما وفي المجالات التي تؤثّر على مجتمعاتنا وحضارتنا خصوصا .
ثمّ إنّ على عاتق الحكّام والمسؤولين مسئوليّة جسيمة تتلخّص في ضرورة استشارة الأخصّائيين في كلّ مسألة قال الله ( تعالى ) :
وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
« 1 » وعدم الاقتصار على علماء الفقه والدين .
ولقد صار بإمكان الإنسانيّة والأمّة تجاوز الصعوبات التي كان يطرحها التوقيت القمري الهلالي ووضع حلول وجداول تفوق من الناحية العلميّة كلّ ما تعارفت عليه المجتمعات القديمة - بما فيها الإسلاميّة - حتّى ولو لم تكن هذه الحلول قد وصلت إلى مستوى الدقّة الفائقة والمثاليّة .
فنحن لا ننكر أنّ المسألة المطروحة بالطريقة العلميّة غير سهلة ، وقد عبّر عن ذلك الباحث الأمريكي ( برادلي شيفر ) - الذي قام بجهود كبيرة ، وقدّم نتائج هامّة جدّا ، ذكرنا أهمّها في الكتاب - بقوله : « إنّ مسألة التنبّؤ برؤية الهلال الجديد يمكن اعتبارها آخر مسألة فلكيّة غير بديهيّة تطرح على الإنسان وعلى العلم اليوم » .
هامش
( 1 ) . فاطر ( 35 ) : 14 .