وأمّا الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق ؛ لأنّه يطلع من المغرب ، وليس في السماء ما يطلع من المغرب غيره ، وسبب ظهوره بعده عن الشمس ، فكلّما تأخّر غروبها ازداد بعده عنها ، فمن اعتبر بعد المساكن مطلقا فلم يتمسّك بأصل شرعي ولا حسّي .
2 - انعدام النصّ الشرعي في المسألة
لم ترد في الشريعة نصوص تعالج مسألة جدول التوقيت الإسلامي ، أو كما كان يسمّيها القدامى اختلاف المطالع ، لا في القرآن ولا في السنّة .
بل لا يمكن أن يستخلص الفقيه لا من منطوقهما ولا من مفهومهما شيئا من فروع المسألة .
وأمّا ما نجده لدى أكثر الفقهاء الكلاسيكيّين من استدلال ببعض الأحاديث فباطل ، كما سنبرهن عليه .
ولقد مرّ بنا أنّ بعض الفقهاء انتبه قديما إلى هذه الحقيقة فأرجع الخلاف إلى أسباب فلكيّة ، منهم جماعة من الحنابلة ومن الشافعيّة كالسبكي والرملي .
استدلّ الذين رأوا اعتبار اختلاف المطالع بحديث كريب ( ر . الفصل الأوّل ) عن ابن عبّاس ، يقول فيه : « هكذا أمرنا رسول الله » .
والذين رأوا عدم مراعاة اختلاف المطالع استدلّوا بحديث ابن عمر وما شابهه ، وفيه الأمر بالصوم للرؤية والفطر للرؤية .
فأمّا حديث كريب فلا ينهض دليلا ؛ لأنّه يحتمل أنّ ابن عبّاس لم يرد الرفع ، بل ذكر فهمه واجتهاده ، وذلك ليس حجّة على أحد ، ويحتمل أيضا أن يكون أراد الرفع إلى صاحب الشريعة ، لكنّه حينئذ يبقى منعدم الحجيّة لغموضه التامّ واحتماله المعاني الكثيرة .
وأمّا حديث ابن عمر فاحتجّوا بعموم الأمر الوارد فيه على جميع المسلمين .
والردّ على هذا الاحتجاج ميسور ؛ لأنّ بإمكاننا أن نقول : إنّ الذي عمّت دلالته في الحديث هو وجوب اعتماد الرؤية ، وليس تعميم دخول الشهر على أهل الأرض جميعا .
ثمّ إنّ الذين اعتبروا اختلاف المطالع لم يستطع أحدهم إنتاج رأي متماسك ، بل إنّ بعضهم لم يحدّد المطلع بشيء كالزيلعي الحنفي وجماعة من الشافعيّة ، وبعضهم كابن عبد البرّ الظاهري ، اكتفى بذكر أمثلة للبلاد البعيدة كالأندلس وخراسان دون تحديد المعيار الذي أخذ به ولا حكم البلاد التي تتوسّطهما ، وبعضهم الآخر ، وهم جماعة من الحنابلة وأكثر الشافعيّة ،