وهذا يحملنا على الاعتقاد بأنّ هؤلاء الفقهاء كانوا يعلمون جيّدا بأنّ إطلاق اسم وتعريف المنجّم على عالم الفلك خلط بين أمرين مختلفين : أحدهما مبن على العلم الاستقرائي والتجريبي ، والآخر على الظنّ المحض والخرافة .
فهل كان دافعهم الحفاظ على نفوذهم ؟ أم هو الحسد ؟
إنّ الجواب على هذه الأسئلة ليس مهمّا بقدر ما يهمّ التقرير بأنّ سوء نيّتهم بات لائحا .
والشيء المؤكّد هو أنّ هذه الحرب الشعواء التي شنّوها على علم الفلك ساهمت في خلق جوّ عام ، ينبذ الاشتغال بهذا العلم ، ويحقّر المشتغلين به ، ممّا أدّى إلى وقف التطوّر العلمي وإلى اضطهاد حاملي لوائه .
ونحن نعلم أنّ كثيرا من الناس يظنّ أنّ العلماء لم يلقوا في تاريخ الإسلام اضطهادا كما حدث في مجتمعات أخرى .
لكن هذا الظنّ خاطئ ، فقد لاقى العلماء تهميشا واضطهادا ، فسجنوا ، وأهينوا ، وضربوا ، وأحرقت كتبهم وقتلوا من طرف الحكّام أو من طرف العامّة أو محترفي الإجرام ، أحيانا بإيعاز وتحريض من بعض الفقهاء .
وما لاقاه ابن رشد الطبيب الفيلسوف ولسان الدين بن الخطيب ذو الوزارتين وابن حزم وابن جرير الطبري قليل من كثير .
وأمّا الفقهاء الذين أيّدوا استعمال حساب علماء الفلك لتحديد الشهور كابن سريج إمام الشافعيّة في زمانه ، ومطرف بن الشخير التابعي الكبير ، وابن قتيبة المحدّث ، ومحمّد بن مقاتل صاحب محمّد بن الحسن الشيباني ، والسبكي وغيرهم ، فقد قذفهم زملاؤهم المتزمّتون الجامدون بكلّ رذيلة ، ولم يرقبوا فيهم إلّا ولا ذمّة
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ
« 1 » .
ولعلّ أشنع ما قذفوا به النفاق ورغبة التقرّب من الحكّام والساسة .
قال ابن تيميّة - وهو الملقّب بالتقوى - :
ولعلّ من دخل في ذلك منهم كان مرموقا بنفاق ، فما النفاق من هؤلاء ببعيد ، أو يتقرّب إلى بعض الملوك الجهّال ممّن يحسن ظنّه بالحساب ، مع انتسابه إلى الإسلام .
فانظر كيف يغلظ على العلماء بينما يرفق بالحكّام ، ويلين معهم ، فيفترض حسن نيّتهم .
هامش
( 1 ) التوبة ( 9 ) : 10 .