ب ) تهافت الفقهاء المناوئين للحساب في حكمهم على الاشتغال بعلم الفلك
كان السرخسي ، وهو إمام من أئمّة الحنفيّة ، يستدلّ لردّ حساب علماء الفلك بالحديث الذي جاء فيه : « من أتى كاهنا أو منجّما فقد كفر بما أنزل على محمّد » ، وفي رواية الحاكم : « من أتى كاهنا أو منجّما فصدّقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمّد » ، وفي رواية أبي يعلى : « من أتى عرّافا أو ساحرا أو كاهنا » . . . وعلى ذلك درج غالبيّة فقهاء المذاهب الأخرى .
فقد وصف عليش المالكي في فتاويه حساب علماء الفلك بما نصّه :
هو ضلال تحرّم موافقتهم فيه ، ويجب إنكاره والنهي عنه حسب الإمكان ؛ إذ هو هدم للدين ومصادم لصريح حديث سيّد المرسلين ، ووقوعه من ذلك الرجل أدلّ دليل على جهله المركّب ، وعدم ديانته واختلال عدالته ، ودناءة همّته وعدم مروءته .
وفي معرض ردّه على المعتمدين حساب علماء الفلك لإثبات الشهور ، أورد عليش أيضا في شرحه على مختصر خليل الحكم التالي المبني على إطلاق اسم المنجّم على عالم الفلك :
وحرّم تصديق منجّم . ويقتل إن اعتقد تأثير النجوم ، وأنّها الفاعلة بلا استنابة إن أسرّه ، فإن أظهره وبرهن عليه فمرتدّ ، فيستتاب فإن تاب وإلّا قتل .
وإن لم يعتقد تأثيره ، واعتقد أنّ الفاعل هو الله تعالى ، وجعله أمارة على ما يحدث في العالم فمؤمن عاص .
وللقارئ أن يندهش من أحمد عبد المنعم البهي ، من أساتذة الأزهر المعاصرين ، الذي كتب يقول : « إنّ شهادة الشاهد لا تردّ بالحساب أيّا ما كان هذا الحساب » .
فالملاحظ على هذه الأقوال المتهافتة أنّ أصحابها عندما اعتمدوا لردّ الحساب على كون علماء الفلك منجّمين وكهانا ، واستدلّوا بعد ذلك بالأحاديث الموجبة تكفير المنجّم والكاهن ، كنّا ننتظر منهم أن يصرّحوا بكفر عالم الفلك الذي يقول بحساب سير الأفلاك ، وكذلك بكفر من يصدّقه ويعتمد على قوله .
لكن ذلك لم يحصل ، واكتفوا بالتلميح والإشارة والإيهام واشتراط اعتقاد كون النجوم فاعلة بلا استنابة ، وكأنّها بالإنابة فاعلة .