ووصف الكتابة والحساب بأنّ « فيهما تعبا كثيرا بلا فائدة . فإنّ ذلك شغل عن المصالح » .
وقال صدّيق حسن خان :
ومن أعظم المروّجات لهذه البليّة ما وقع من جماعة من المشتغلين بعلم الفقه من تعداد النجوم وتقدير المنازل والاستكثار من ذلك بما لا طائل تحته إلّا تأنيس المنجّمين .
وهذا الكلام أيضا لا يحتاج إلى ردّ إلّا أن نسوق من باب الاستئناس ما قاله الجاحظ ، من شيوخ المعتزلة ، في كتابه الحيوان : « نفع الحساب معلوم ، والخلّة في موضع فقده معروفة » .
يقصد طبعا حساب علماء الفلك ، كما يظهر من بقيّة النصّ .
أمّا حجّتهم الخامسة : فإنّ الحساب بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة صاحبها في النار .
قال صدّيق حسن خان :
قال صاحب سبل السلام : التوقيت في الأيّام والشهور والسنوات بالحساب للمنازل القمريّة بدعة باتّفاق الأمّة ، فلا يمكن عالما من علماء الدنيا أن يدّعي أنّ ذلك كان في عصره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو عصر خلفائه الراشدين ، وإنّما هو بدعة لعلّها ظهرت في عصر المأمون حين أخرج كتب الفلاسفة وعرّبها ، ومنها المنطق والنجوم ، فإنّه علم أولئك الذين قال الله تعالى فيهم :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
« 1 » ، فأقلّ المقرّين على حساب المنازل القمريّة أنّهم مبتدعون ، وكلّ بدعة ضلالة ( . . . ) وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « علم لا ينفع وجهل لا يضر » .
وهو من علم أهل الكتاب ، فإنّ أعيادهم ونحوها تدور على حساب سير الشمس .
وأمثال صدّيق خان والصنعاني من الجامدين الكابتين لكلّ تجديد وتقدّم لا نحتاج إلى الردّ عليهم ، كما كان يقول السبكي : « ومن كان كذلك لا خطاب معه ، ونحن إنّما نتكلّم مع من له أدنى تبصّر ، والجاهل لا كلام معه » .
واحتجّوا أيضا بحجّة سادسة مفادها أنّ تأثير الأفلاك ليس مستقلّا .
والذي قال بهذا هو تقي الدين بن تيميّة ، كما يتبيّن من نصّه الآتي :
والقول بالأحكام النجوميّة باطل عقلا ، محرّم شرعا ، وذلك أنّ حركة الفلك - وإن كان لها أثر - ليست مستقلّة ، بل تأثير الأرواح وغيرها من الملائكة أشدّ من تأثيره ، وكذلك تأثير الأجسام الطبيعيّة التي في الأرض ، وكذلك تأثير قلوب الآدميّين بالدعاء وغيره
هامش
( 1 ) . غافر ( 40 ) : 83 .