حينئذ إلّا اعتماد التعريف الاقتراني للشهر .
فنرى أنّ أمامنا خيارين ممكنين واضحين وثابتين منهجيّا : إمّا أن نعتمد التعريف الهلالي الذي يستند ، من بين ما يستند إليه ، إلى القدرة الطبيعيّة لإبصار الهلال عن طريق التضارب الذي يصنعه لمعانه مع ظلمة القبّة السماويّة ، وإمّا أن نعتمد التعريف الاقتراني الذي يستند إلى قدرة الحساب والتنبّؤ بزمن تراصف مع الشمس والأرض .
وأمّا الحلّ الثالث الذي يستعين بالأجهزة ، فلا هو طبيعي ، ولا هو واضح وبسيط منهجيّا .
5 - تهافت الفقهاء المناوئين لاعتماد الحساب لإثبات الشهور
بعد ما أثبتنا وجاهة الأخذ بالحساب وبيّنّا أنّه امتداد للرؤية ، نأتي الآن لتفحّص خطاب المناوئين له المناصبين العداوة لأهله .
وسيتمّ لنا ذلك من خلال مراحل ثلاث ( أ ، ب ، ج ) نتعرّض في الأولى لتعريفهم الحساب الفلكي ، وفي الثانية لحكمهم عليه وعلى الذين يلجئون إليه لإثبات الشهور ، لننتهي في الثالثة باستعراض ونقض حججهم ضدّ اعتماده .
أ ) تهافت الفقهاء المناوئين للحساب في تعريف علم الفلك
درج السواد الأعظم من الفقهاء إلى تسمية علم الفلك وعلمائه بأسماء التوقيت والمؤقّت والحساب والحاسب والتنجيم والمنجّم والكهانة والكاهن والعرافة والعرّاف .
بينما كان علماء الفلك القدامى يسمّون قسما من علمهم بعلم الهيئة وقسما آخر بعلم الأزياج ، كما يبيّنه ابن خلدون في مقدّمته « 1 » .
وفيما عدا تسمية علماء الفلك بالحسّاب والموقّتين ، فإنّ بقيّة الأسماء التي أطلقها عليهم الفقهاء غايتها الإنقاص من قيمتهم والحطّ من منزلتهم وقذفهم بالكفر والخروج عن ربقة الملّة الحنيفيّة .
علاوة على هذا الحطّ والإنقاص ، يؤدّي إطلاق هذه الأسماء عليهم إلى خلط الأفكار المتعلّقة بماهيّة العلم الذي يشتغلون به وإحاطته بسور من الإبهام واللافهم .
هامش
( 1 ) . مقدّمة ابن خلدون ، ص 450 - 451 ، في علم الهيئة وعلم الأزياج .