ج ) تهافت الفقهاء المناوئين لعلم الفلك في تبرير موقفهم بالحجج النقليّة والعقليّة
انتصر المناوئون لاعتماد حساب علماء الفلك في إثبات الشهور بستّ حجج :
فقالوا في الأولى : إنّ اعتماد الحساب ليس من الطرق الشرعيّة ، وعلم الشريعة مستغن عنه ، والمكلّفون مأمورون بتكذيبه .
قال الصاوي ، من المالكيّة : « إنّنا مأمورون بتكذيبه ؛ لأنّه ليس من الطرق الشرعيّة » .
وقال محمّد بن عبد الرحمن البخاري ، من الحنفيّة : « ذلك علم نهينا عن اقتباسه واستعماله » .
وقال تقي الدين بن تيميّة :
إنّ قوله « إنّا أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب » هو خبر تضمّن نهيا ، فإنّه أخبر أنّ الأمّة التي اتّبعته هي الأمّة الوسط أميّة لا تكتب ولا تحسب ، فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمّة في هذا الحكم . بل يكون قد اتّبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمّة ، فيكون قد فعل ما ليس من دينها ، والخروج عنها ، محرّم منهي عنه فيكون الكتاب والحساب المذكوران ( يقصد المتعلّقين بعلم الفلك ) محرمين منهيّين عنهما .
والردّ على هذا الكلام سهل ميسور ؛ لأنّ الأمّة الأميّة التي تكلّم عنها صاحب الشريعة إنّما هم عرب الجزيرة العربيّة في زمن الرسالة ، كما حقّقه ابن حجر العسقلاني في الفتح ، وإلّا فإنّ القرآن جاء مادحا للحساب والحسّاب آمرا بسؤالهم مشجّعا على تعاطي علم الفلك والتبحّر فيه ، كما يظهر من خلال نصوصه الآتية :
1 -
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
« 1 » .
2 -
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ
« 2 » .
3 -
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
« 3 » .
4 -
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
« 4 » .
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 16 .
( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 112 - 113 .
( 3 ) . الرحمن ( 55 ) : 5 .
( 4 ) . الإسراء ( 17 ) : 12 .