واعتبر جريان العادات العامّة أبديّا ، بمعنى أنّ وقوعها كمسبّبات عن أسبابها دائم إذ « عليها وضعت الدنيا وبها قامت مصالحها في الخلق حسبما بيّن ذلك الاستقراء » .
ولذلك نجده يقرّر أنّ « العوائد الجارية ضروريّة الاعتبار شرعا ، كانت شرعيّة في أصلها أو غير شرعيّة ، أي سواء كانت مقرّرة بالدليل شرعا أم لا » ( الشاطبي ) .
وطبّقوا المنهج الاستقرائي في كثير من فروعهم ، نذكر منها هنا ما قالوه بمناسبة معالجة مسألتنا .
قال السبكي في معرض سياقه الحجج الموجبة لرفض الشهادة المخالفة للحساب القطعي :
« اعلم أنّه ليس مرادنا بالقطع هاهنا الذي يحصل بالبرهان الذي مقدّماته كلّها عقليّة ، فإنّ الحال هنا ليس كذلك ( يشير إلى الاستقراء المنطقي ) وإنّما هو مبني على أرصاد وتجارب طويلة » .
وقال في موضع آخر : « امتنعت من تنفيذ حكمه ( بالرؤية المخالفة للحساب ) لما تقدّم ؛ ولأنّي جرّبته في عشرين عيدا أوّلها عيد الفطر سنة 749 ه - في كلّ عيد هكذا » .
وقال القرافي في فروقه :
إنّ حساب الأهلّة والكسوفات والخسوفات كلّها قطعي فإنّ الله تعالى أجرى عادته بأنّ حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب على نظام واحد طول الدهر بتقدير العزيز العليم ، قال الله ( تعالى ) :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
« 1 » ، وقال ( تعالى ) :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
« 2 » ، أي هما ذوا حساب ، فلا ينخرم ذلك أبدا . . . والعوائد إذا استمرّت أفادت القطع « 3 » .
ولذلك كلّه نحن نرتضي تعريف ابن رشد الحفيد للرؤية حيث قال : « وعني بالرؤية أوّل ظهور القمر بعد السؤال » ، حيث إنّ الظهور عندنا هو وجود الهلال مع إمكان رؤيته ، وأمّا السؤال ، فيكون إمّا بترقّب الراصد ، وإمّا بتقدير وحساب عالم الفلك .
وفيما يتعلّق بمعنى التقدير في الحديث الآنف ، فالكلام فيه يكون على مراحل .
في الأولى يجب أن ننتبه أنّ إكمال العدّة ثلاثين يوما - خلافا لما يتوهّمه الكثير - لا يلجأ
هامش
( 1 ) يس ( 36 ) : 39 .
( 2 ) الرحمن ( 55 ) : 5 .
( 3 ) الفروق ، ج 2 ، ص 298 ، الفرق 102 .