إليه فقط في حالة الإغمام ليلة التاسع والعشرين ، وإنّما إذا كان الحال صحوا وتعذّرت رؤية الهلال الموجود لسبب من الأسباب كالعمر غير الكافي ، فيجب حينئذ إكمال العدّة .
وفي الثانية نقول إنّ التقدير الذي في الحديث مترتّب ومنوط بالإغمام بموجب أداة الشرط « إنّ » .
فكأنّما علة وجوب الرجوع إلى التقدير ليست هي وجود الغيم أو الغبار ذاته ، فقد يتمكّن الشاهد من الرؤية مع وجودهما ، وإنّما هو الإغمام على الناس ، أي عدم تمكّنهم من إثبات الشهر بالوسيلة الوحيدة المتاحة في زمان الخطاب ، وهي الرؤية .
وحينئذ يتوجّب علينا أن نتساءل عمّا إذا كانت هذه العلّة المناسبة المؤثّرة مستمرة في زماننا ؟
ولهذا التساؤل أهميّته ؛ لأنّ من شروط العلّة أن تكون مطّردة منعكسة ، بمعنى أنّه كلّما وجدت العلّة وجد معلولها ، وكلّما انتفت انتفى معلولها ، فهي تدور مع الحكم وجودا وعدما .
والجواب أنّ الإغمام في زماننا لا يشكّل حاجزا ولا مانعا من العلم بالشهر لتوفّر وسائل علميّة دقيقة مضبوطة تؤدّي وظيفة الرؤية ذاتها ، بل تتجاوز الرؤية من حيث إفادة العلم . وقد اعترف ابن حجر العسقلاني في الفتح بذلك ، لكنّه انتهى إلى نتيجة معاكسة من باب العناد وانغلاق الفهم عمدا خوفا من مخالفة الحكم السائد ، فقال :
قوله لا نكتب ولا نحسب تفسيرا لكونهم كذلك .
قيل للعرب : أميّون ؛ لأنّ الكتابة كانت فيهم عزيزة ، ولا يردّ على ذلك أنّه كان فيهم من يكتب ويحسب ؛ لأنّ الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة ، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا إلّا النزر اليسير .
فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير .
واستمرّ الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك ، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا .
وفي الثالثة نردّ على من فسّر التقدير بأنّه إكمال العدّة ثلاثين حجّته .
فقد جمع ابن رشد الحفيد بين الحديثين اللذين في أوّلهما : « فإن غمّ عليكم فاقدروا له » وفي الثاني : « فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين » بأن قال : إنّ الأوّل مجمل والثاني مفسّر « فوجب أن يحمل المجمل على المفسّر ، وهي طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليّين ؛ فإنّهم ليس عندهم بين المجمل والمفسّر تعارض أصلا » .
رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 3193
مساهمون: رضا مختاري
ص٣١٩٣