بمعرفة كيفيّة وقوعها بناء على أنّ إدراك البصر يكون بمخروط شعاعي رأسه نقطة الباصر وقاعدته المرئي .
ثمّ يقع الغلط كثيرا في رؤية القريب كبيرا والبعيد صغيرا .
وكذا رؤية الأشباح الصغيرة تحت الماء أو وراء الأجسام الشفّافة كبيرة ، ورؤية النقطة النازلة من المطر خطّا مستقيما ، والسلقة دائرة وأمثال ذلك .
فيتبيّن في هذا العلم أسباب ذلك وكيفيّاته بالبراهين الهندسيّة ، ويتبيّن به أيضا اختلاف المنظر في القمر باختلاف العروض الذي ينبني عليه معرفة رؤية الأهلّة وحصول الكسوفات وكثير من أمثال هذا .
وقد ألّف في هذا الفنّ كثير من اليونانيّين ، وأشهر من ألّف فيه من الإسلاميّين ابن الهيثم ولغيره فيه أيضا تآليف « 1 » .
وما كان هذا شأنّه لا يمكن أن يقصر الشرع عليه أمر إثبات أيّ شيء ، وخاصّة إذا كان هذا الشيء صعب المشاهدة ، كما رأينا عندما تطرّقنا لإضائيّة القمر .
ثمّ إنّ رؤية البصر وسيلة من وسائل العلم لا غيره .
فإذا كان صاحب الشريعة أشار إلى استعمالها فليس معنى ذلك أنّه ألزمنا الاقتصار عليها حتّى ولو تمكّنّا من وسائل أكثر ضبطا معضدة لها أو مستقلّة عنها .
ولذلك نجد أنّ عرف الشارع في خطابه هو ورود الرؤية بمعنى مخالف للرؤية البصريّة ، هو العلم . نذكر كأمثلة على ذلك النصوص القرآنيّة الآتية :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ
« 2 » .
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
« 3 » .
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
« 4 » .
والسرّ في هذا الاستعمال اللغوي المشترك أنّ الرؤية البصريّة وسيلة من وسائل العلم باعتبارها حاسّة من الحواس الملتقطة لإشارات المحيط ، فسمّي العلم الحاصل غالبه منها رؤية .
هامش
( 1 ) . مقدّمة ابن خلدون ، ص 449 - 450 ، الفصل الخامس عشر في العلوم الهندسية .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 258 .
( 3 ) . إبراهيم ( 14 ) : 19 .
( 4 ) الفيل ( 105 ) : 1 .