تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 3191

مساهمون:

ص٣١٩١
ولذا يمكننا إلحاق حساب علماء الفلك بالرؤية . وبيان ذلك : أنّ كلّ حسابات علماء الفلك في إثبات أهلّة الشهور إنّما كان مبدؤها وأساسها الأرصاد الكثيرة التي قام بها الإنسان منذ العصر البابلي إلى اليوم . وعليه إنّ الفرق بين المعتمد على الحساب والمعتمد على الرؤية الحاصلة بمناسبة أحد الشهور ، أنّ الأوّل يعتمد على شهادات كثيرة بلغت كثرتها عدد التواتر فاستخلص - ونقول : استقرأ - العلماء منها أنّ ثمّة عادات مضبوطة للفلك في حركته وظهور هلاله ، بينما لا يعتمد الثاني إلّا على مشاهدة آحادية لا تقوى على مغالبة المشاهدات المتواترة إذا تعارضت معها . والاستقراء المبني على التواتر أصل شرعي ، كما بيّن ذلك العالم المجدّد محمّد باقر الصدر الذي عرّفه بأنّه : « استنتاج قانون عامّ من تتبّع حالات جزئيّة كثيرة » . وقد يسمّيه القدماء بدلالة مجرى العادة . وقد وجدنا العلماء المسلمين في كافّة ميادين المعرفة يستعملون الاستقراء أو دلالة العادة في مناهجهم ، منهم علماء الفيزياء والكيمياء كابن حيّان ، ومنهم علماء التاريخ والاجتماع كابن خلدون ، ومنهم علماء الفقه كالشاطبي والسبكي والقرافي . أمّا جابر بن حيّان فنبّه « إلى أنّ قوّة وضعف الاستقراء بحسب كثرة النظائر والأمثال المتشابهة وقلّتها ، أي أنّ درجة احتمال التوقّع يزداد كلّما زاد تكرار الحوادث » ( النشّار ، بتصرّف ) . وأمّا ابن خلدون ، فقد اعتبر تحكيم أصول العادة « القاعدة المنهجيّة التي كانت مفتاح الباب المؤدّي إلى علم العمران البشري الذي وضعه » ( الساعاتي ) حيث كان يستجلي « العوائد المعروفة والأحوال المألوفة » ويقف على « طبائع الكائنات » وعلى « طبيعة العمران والأحوال في الاجتماع البشري » على أساس النموذج القاضي بأنّ « كلّ حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا ، لا بدّ له من طبيعة تخصّه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله » . ثمّ عندما يطبق هذا النموذج ميدانيّا يتمكّن من الحكم على بعض الأخبار التاريخيّة تارة بأنّ ما تقتضيه « ممتنع في العادة » وتارة بأنّه « مستحيل عادة مناف للأمور الطبيعيّة » . وأمّا علماء الشريعة فقد اعتبروا العادة وضبطوها بقواعد عامّة كمثل « العادة محكمة » و « الممتنع عادة كالممتنع حقيقة » و « إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت أو غلبت » و « التعيين بالعرف كالتعيين بالنصّ » ( ر . السيوطي والزرقاء ) . وأكّد الشاطبي في الموافقات أنّ « مجاري العادات في الوجود أمر معلوم لا مظنون » ،