أوّلا : أنّه وصف ، أي معنى ، وذلك احترازا من الذوات فإنّها لا تكون أسبابا .
ثانيا : أنّه ظاهر ، وذلك احترازا من الوصف الخفي ، فإنّه لا يصلح أن يكون معرفا فلا يكون سببا .
ثالثا : أنّه منضبط ، أي محدّد وهو الذي لا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، وذلك احترازا من غير المنضبط ، وهو المضطرب ، فإنّ الاضطراب يمنع من ترتيب الحكم عليه رفعا للحرج على المكلّف .
رابعا : أنّه يدلّ عليه الدليل السمعي ، وهو ما كان من كتاب أو سنّة وما يرجع إليهما .
خامسا : أنّه معرّف لحكم شرعي ، أي أنّه علامة عليه من غير أن يكون له تأثير فيه .
وعلى هذا فإنّ سبب الصوم الواجب هو وجود الشهر ؛ لأنّه يضاف إليه - إذ نقول « صوم رمضان » - و « الإضافة دليل السببيّة » ( البابرتي ) ، قاله الحنفيّة .
وقد استدلّوا على ذلك بدليل سمعي من القرآن ، قوله :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
« 1 » .
ولفظ الشهود في الآية مشترك الدلالة على معنيين ، هما الحضور والعلم .
وهذان المعنيان متعارضان ؛ لأنّ الوجوب إذا تعلّق بحضور الشهر فإنّ من لم يصله الخبر بدخوله إلّا بعد أيّام وجب عليه القضاء .
أمّا إذا علّقنا الوجوب بالعلم بالشهر فإن صام بعد حضوره بأيّام لم نوجب عليه القضاء .
وقد قال علماء الأصول : إنّ ترجيح أحد معنيي اللفظ المشترك ( ر . أديب صالح ) يتمّ للفقيه ، إمّا بدلالة نصّ شرعي آخر أو بقرينة حال .
ونحن نرجّح المعنى الأوّل ، وهو الحضور ؛ لورود نصوص شرعيّة تدلّ على أنّ من لم يصم مع الناس بعض رمضان لعذر شرعي كعدم وصول الخبر ( أحاديث ) أو السفر والمرض ( قرآن ) ، فإنّه يجب عليه القضاء .
وقد تعلّق حكم وجوب الصوم بدخول الشهر ؛ لقوله في الآية « فليصمه » ؛ لأنّ « الفاء » هنا جاءت خبرا ل « من » ، أو جوابا لشرط ، وهو ما يدلّ على تعليق الحكم الآتي وهو « ليصمه » بالشهر .
وعليه فقولنا بأنّ سبب وجوب صوم الشهر هو وجوده ، يرجع إلى القول بأنّ الرؤية ليست
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .