لكن لو كان القصد بالوجود ذلك الذي تمكن معه الرؤية .
فلا بدّ لنا أن نقول : إنّه والرؤية شيء واحد من وجهة واقعيّة .
وبيان ذلك أنّ الهلال إذا كان موجودا ممكن المشاهدة فيستوي تماما استعمال هذه الوسيلة أو تلك لإثباته ؛ لأنّ الرؤية - كما يقول محمّد جواد مغنيّة - وسيلة للعلم وليست غاية في نفسها .
بل لا يمكن أن تكون الرؤية غاية ، بما أنّ الشريعة تخاطب الناس كافّة ، وثمّة مناطق كاملة من الكرة الأرضيّة يستمر بها النهار حتّى يصل ستّة أشهر .
فلو كلّفنا سكّان هذه المناطق الشماليّة بما نكلّف به سكّان الجزيرة العربيّة لسبّبنا الحرج .
ولقد ساق الفقهاء الذين ناصبوا الحساب عداوة وتعصّبوا للرؤية الآحاديّة أنفسهم آراء تفيد عدم اعتبار الرؤية غاية مفادها - كما عند الإباضيّة والإماميّة والزيديّة والحنابلة والشافعيّة والمالكيّة - أنّ المحبوس أو المسجون في مطمورة وما شاكلها ، بحيث لا تصله الأخبار ، يتحرّى الشهور ، ويجب عليه صوم رمضان بالتحرّي ، فإن وافقه أو وافق ما بعده فيجزئه ، وإن وافق ما قبله فيعيده متى علم وتيسّر له ذلك .
وهذا مبنيّ على أنّ السبب الشرعي لحكم وجوب صوم رمضان هو وجود الشهر - أي وجود الهلال الممكن مشاهدته - وليس الرؤية أو المشاهدة ذاتها . ونحن نبرهن على ذلك كالآتي :
عرّف الأصولي الشافعي الشهير سيف الدين الآمدي السبب - أي سبب الحكم الشرعي - بأنّه « كلّ وصف ظاهر منضبط دلّ دليل سمعي على كونه معرّفا لحكم شرعي » ( الربيعة ) .
وتبعه بعض الحنفيّة فقالوا بأنّ تعليق الحكم بالشيء شرعا ( لاحظ أنّ الآمدي استعمل كلمة التعريف عوض التعليق ) يدلّ على أنّه سببه .
وزعم الزنجاني ، وهو شافعي المذهب ، أنّ الحكم الشرعي « مضاف إلى أسباب شرعيّة غير الخطاب » يعني أنّ السبب الشرعي لا يدلّ عليه الدليل السمعي .
وهذا الرأي يجرّ إلى اعتماد التخمين لتحصيل الأسباب ، ويقتضي أنّ الشارع لم يعلّق الأحكام على شيء معرّف بخطابه ممّا يؤدّي إلى امتناع التطبيق .
على أنّ تعريف الآمدي للسبب هو المعتمد ، وهو يتضمّن ضوابط خمسة نذكرها مفصّلة فيما يلي ( ر . الربيعة ، السبب عند الأصوليّين ) :
رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 3187
مساهمون: رضا مختاري
ص٣١٨٧