ولم ير الهلال مع الصحو ، فلا يجوز أن يفطر من الغد ؛ « لأنّ عدم الهلال يقين فيقدّم على الظنّ وهي الشهادة » .
وهذا الفقه كذلك مؤدّاه التكيّف مع الاضطراب عوض العمل على التخلّص منه باعتماد وسيلة إثبات مضبوطة تفيد العلم كحساب علماء الفلك .
4 - الحساب امتداد للرؤية
زعم السبكي أنّ الحكمة الإلهيّة اقتضت التخفيف على العباد بربط الأحكام بما هو متيسّر عليهم من الرؤية ، وإكمال العدد ثلاثين ( السايس ) .
وهذا الزعم غير صحيح من وجهين .
فمن الوجه الأوّل أنّ « الحكمة الإلهيّة » لم تخفّف في مسألتنا على الناس في زمن الرسالة ، بل كلّفتهم بما يطيقون .
حتّى أنّها لو ربطتهم بغير الرؤية وإكمال العدد لاستحال عليهم إثبات الشهر ؛ لأنّهم كانوا « أمّة أميّة لا تكتب ولا تحسب » كما قرّره صاحب الشريعة .
ومن الوجه الثاني أنّ التجارب التاريخيّة أثبتت وتثبت إلى يومنا هذا ، أنّ الأخذ بالتقويم الاقتراني أخفّ الحلول من الناحية العلميّة ، بمعنى أنّه لا يوجب القيام بدراسات فيزيائيّة فلكيّة معقّدة ، كما نفعل حاليّا بالنسبة للتقويم الهلالي ، وكذلك من الناحية الاجتماعية بحيث لا يوقع في الحرج والاضطراب اللذين استعرضنا نماذج منهما من قبل ( ر . الملحق رقم 1 ) .
الحاصل إذن أنّه إذا كانت ثمّة حكمة من اعتماد التقويم الهلالي المبني على وجود الهلال وإمكان رؤيته ، فليست هي التخفيف على العباد على كلّ حال .
كما زعم كلّ من العدوي والدردير من المالكيّة أنّ الشارع أناط إثبات الشهور برؤية الهلال لا بوجوده .
ونحن نبطل هذا الزعم من وجهين :
أمّا الوجه الأوّل فأن نقول : إنّ العلم بوجود الهلال دون رؤيته إنّما تيسّر للعلماء عن طريق المشاهدات والأرصاد المتواترة التي قام بها القدماء ، وما أدّت إليه من فهم حركة الأجرام .
وأمّا الوجه الثاني فأن نقول : إنّ وجود الهلال غير كاف عندنا أيضا لإثبات الشهر الهلالي ، بل لا بدّ من شرط ثان هو إمكان رؤيته .