ولم يجد مناوءو الاعتماد على الحساب بدّا من الاعتراف بصحّة الحساب في الحالات التي نعتمد فيها عليه وحده ، سواء للقطع بعدم إمكان أم بإمكان الرؤية .
قال تقي الدين ابن تيميّة في رسالة الهلال : « والحسّاب يعبّرون بالأمر الخفيّ من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار ( أي المحاق أو الاقتران ) ، ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الإبدار ، فإنّ هذا يضبط بالحساب » .
وقال أيضا : « الحسّاب غاية ما يمكنه إذا صحّ حسابه أن يعرف مثلا أنّ القرصين اجتمعا في الساعة الفلانيّة وأنّه عند غروب الشمس يكون قد فارقها القمر ، إمّا بعشر درجات مثلا أو أقلّ أو أكثر » .
والغريب أنّ الفقهاء من أمثال ابن تيميّة من مناوئي حساب علماء الفلك ، لم تمنعهم مثل هذه الاعترافات من التقدّم بآراء متناقضة كما سنبيّنه في آخر هذا الفصل .
بل إنّهم لمّا رأوا علماء الفلك المعاصرين لهم محجمين عن القطع بالرؤية في بعض الحالات التي يصعب فيها رصد الهلال بسبب موقعه الهندسي بالنسبة للأرض والشمس ، وكذلك بسبب الظروف المناخيّة / الفيزيائيّة الفلكيّة الغرريّة في زمن الرصد ، ظنّوا أنّهم وجدوا لهم نقطة ضعف ، وعثروا لهم على عورة فادّعوا « أنّ الرؤية ( مطلقا أي في كلّ الأحوال ) لا تنضبط بأمر حسابي » بمعنى أنّه « ليس في قوى البشر أن يضبطوا للرؤية زمانا ومكانا محدودا » ( ابن تيميّة ) ، وبالتالي : إنّ الذين يدّعون إلى الاعتماد على الحساب إنّما يدّعون إلى الأخذ بوسيلة تدخل الاضطراب على الأمّة .
3 - مغبّة نكران حساب علماء الفلك
وزعم ابن حجر العسقلاني في الفتح أنّ الحكمة في نفي الحساب « كون العدد عند الإغماء ( أي إكمال العدّة حال الغيم ) يستوي فيه المكلّفون ، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم » .
والعجب في هذا الكلام أنّ الوقائع التاريخيّة تثبت عكسه . إذ إنّ نكران الحساب وعدم اعتباره لم يزل يوقع الأمّة في الاضطراب والاختلاف والنزاع حتّى في البلد الواحد ، بل وفي المحلّة الواحدة .
ففي القرن الأوّل الهجري أخطأ الناس ، رغم اعتمادهم على رؤية العدول ، في إثبات شهر رمضان بيوم فأفطروا يوما ، فلمّا صاموا ثمانية وعشرين يوما رئي هلال شوّال فتبيّن لهم