وهذا وإن كان يختلف في تعيين الشهور الناقصة والتامّة مع ما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام إلّا أنّه يتّفق معه في مبدأ التحديد المسبق ، وذلك متعارض مع الأحاديث التي تنيط إثبات الشهور بالرؤية ، وكذا مع الاعتماد على الاقتران .
واعتمد علماء الشريعة الشهر الهلالي ، واستدلّوا بما جاء في القرآن :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 1 » .
وبذلك ألغوا اقتراحات علماء الفلك الذين نادوا باعتماد الشهر الاقتراني أو السير الوسطي الاصطلاحي .
وإلى هذا الحدّ لا إشكال لدينا . لكن الفقهاء بعد ذلك توهّموا أنّ الشريعة منعت اعتماد الحساب مطلقا ولو كان أصحابه يعتمدون الشهر الهلالي .
وهذا ممّا لم يرد فيه نصّ قطّ ، ولذلك قال السبكي : « ولا يعتقد أنّ الشرع أبطل العمل بالحساب مطلقا ، فلم يأت ذلك » . ومن أجل ذلك استمرّ الخلاف بين الفقهاء وعلماء الفلك المسلمين ، حتّى جاء السبكي فبيّن أنّ الخلاف المذكور مردّه إلى سوء تفاهم .
فنجده يقول في الشهر الاقتراني : « هذا باطل في الشرع قطعا لا اعتبار به » . بينما بالنسبة للشهر الهلالي ، فقد اعترف بوجود الخلاف بين العلماء في إثباته « إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال فارق الشعاع ، ومضت عليه مدّة يمكن أن يرى فيها عند الغروب » ، حتّى قال : « ومن قال بالجواز اعتقد أنّ المقصود وجود الهلال وإمكان رؤيته ، كما في أوقات الصلاة إذا دلّ الحساب عليها في يوم الغيم ، وهذا القول قاله كبار » .
بل ذهب إلى أبعد من ذلك فادّعى أنّه لا يجب فهم كلام الفقهاء بغير هذا ، وإلّا فصاحب الفهم غير فقيه : « ولا يعتقد الفقيه أنّ هذه المسألة هي التي قال فيها الفقهاء في كتاب الصيام :
إنّ الصحيح عدم العمل بالحساب ؛ لأنّ ذلك فيما إذا دلّ الحساب على إنكار الرؤية ، وهذا عكسه » .
2 - مراتب الاعتماد على حساب علماء الفلك
غير أنّ ما مرّ بنا هو أنّ الاعتماد على الحساب في إثبات الشهور القمريّة الهلاليّة مراتب :
فتارة نعتمد عليه وحده ، وذلك عندما يقطع بعدم إمكان أو بإمكان الرؤية ، وتارة نعتمد عليه وعلى الرصد ، وذلك عندما يقضي بجواز الرؤية .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 189 .