2 - الأصول الشرعيّة العامّة لقبول الشهادة أو ردّها
قبل أن نستعرض ضوابط رفض وقبول الشهادات أو الإخبارات بإثبات الشهور ، لا بدّ أنّ نبيّن أنّ ذلك - أي اختبار الشهود وتمحيص شهاداتهم - جار على أصول الشريعة وعلى فروعها في مسائل أخرى .
فأمّا كون وجود ضوابط لرفض الشهادات جاريا على أصول الشريعة ، فإنّنا نقول مع السبكي في فتاويه : إنّه « لم يأت لنا نصّ من الشرع ، أنّ كلّ شاهدين تقبل شهادتهما سواء كان المشهود به صحيحا أم باطلا » ، بل الذي جاء في القرآن قوله :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
« 1 » .
وكذلك قوله :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
« 2 » .
وأمّا كون تلك الضوابط جارية أيضا على فروع الشريعة في مسائل أخرى ، فذلك ما سنبيّنه فيما يأتي .
نبدأ بهدم دعوى القائلين بأنّ الشرع بنى أمره على الظاهر مطلقا ، لأنّ صاحب الشريعة إنّما صيّر شهادة العدل فما أكثر دليلا لإثبات الحقوق بمفردها عندما تكون السبيل الوحيد للفصل في المنازعة ، ويغلب على ظنّ الحاكم صدق الشهود ( ابن قيّم الجوزيّة ) .
وإلّا فقد حكى صاحب المعيار عن أبي القاسم بن عبد الملك الخارجي تقريره قاعدة أنّ « المطلوب بالشهادة غلبة الظنّ بصدق شهودها ، فمتى عارضتها تهمة سقطت » ( الونشريسي ) .
ومعلوم أنّ التهمة المرادة هنا ليست متعلّقة بالشهود من جهة عدالتهم واستقامتهم ، بل هي متعلّقة بالشهود من غير جهة عدالتهم وبفحوى الشهادة وموافقتها أم لا للواقع أو للعقل .
ولنبدأ بالكلام عمّا يعرض للشهادات من تهم متعلّقة بالشهود من غير جهة عدالتهم ، ثمّ نعقّب ذلك باستعراض ما يعرض لها من تهم متعلّقة بالفحوى أو المضمون مع ضرب بعض الأمثلة ، لننتهي ببيان الوسائل التي يستعملها الحكّام لاستخراج الحقّ من تلك الشهادات عند التهمة وأو عند عدم حصول غلبة الظنّ لديهم بصدقها .
فأمّا ما يعرض للشهادات من تهم متعلّقة بالشهود أنفسهم لكن من غير جهة عدالتهم
هامش
( 1 ) . الحجرات ( 49 ) : 6 .
( 2 ) . النجم ( 53 ) : 28 .