ما رواه البخاري ومسلم عن أمّ سلمة من أنّ رسول الله قال : « إنّما أنا بشر وإنّكم تختصمون إليّ » « 1 » ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض ، فأقضي له بنحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحقّ أخيه فإنّما أقطع له قطعة من النار .
د ) نقد المعتمدين على العدد في الشهادات لإثبات الشهور
اشترط غالبية فقهاء المدارس الفقهيّة المدوّنة ما عدا ابن حزم الظاهري أن يكون العدد أو النصاب اثنين فما أكثر ، لإثبات الشهور إمّا سائرها أو بعضها ، كما فصّلناه من قبل .
وقد استند هؤلاء إلى حجج نقليّة سبق لنا نقدها في معرض مناقشة المفرّقين بين الشهور في شروط ثبوتها ، كما استندوا إلى حجّة عقليّة مفادها أنّ التفرّد مظنّة الغلط أو الكذب ، وعليه لا بدّ من اشتراط عدد يتحقّق به العلم الشرعي ، وهو غلبة الظنّ .
ونقد هذا الكلام يتمّ على مراحل .
نبدأ أوّلا بالتذكير بأنّ القائلين بالعدد المفيد للظنّ الراجح ، سوى الذين قصدوا به الاثنين ، لم يتّفقوا على تقديره ، حتّى قال خلف بن أيّوب بأنّه يختلف من بلدة لأخرى حسب أهميّتها الديمغرافيّة ، ولذلك قال إنّ خمسمائة ببلخ قليل خلافا للذين قدّروا العدد المفيد بخمسين رجلا . وعلى هذا يجب فهم من مال إلى ترك التقدير للحاكم . والخلاف القائم حول تقدير عدد التواتر بين علماء أصول الفقه ومصطلح الحديث معلوم .
وهذا إنّما يعني أنّ الاستناد على العدد كبرهان أو كمرجّح للظنّ ، هو مسلك لا مبرّر له من الناحيتين الواقعيّة والشرعيّة معا .
ناهيك عن أنّ ثمّة نصوصا عن أئمّة آل البيت تسقط الاعتبار بالعدد ، وتشير إلى اعتماد معايير موضوعيّة لقبول الشهادات والإخبارات ، وهي المعايير المبنيّة على اختبار وتمحيص محتواها .
من تلك النصوص ما روى الطوسي والحرّ العاملي عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السّلام قال :
الصوم للرؤية والفطر للرؤية ، وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون « 2 » .
هامش
( 1 ) . صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 156 ، ح 392 ؛ صحيح مسلم ، ج 3 ، ص 1337 ، ح 1713 ؛ كنز العمّال ، ج 3 ، ص 565 ، ح 7927 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ص 156 ، ح 431 ؛ وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 253 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 3 ، ح 4 .