والقياس كلّه باطل ، ثمّ لو كان حقّا لكان هذا منه باطلا ؛ لأنّ الحقوق تختلف .
فمنها : عند المالكيين ما يقبل فيها شاهد ويمين ، ومنها : ما لا يقبل فيه إلّا رجلان أو رجل وامرأتان ، ومنها : ما لا يقبل فيه إلّا أربعة ، ومنها : ما يسمح فيه حتّى يجيزوا فيه النصراني والفاسق كالعيوب في الطبّ .
فمن أين لهم أن يخصّوا بعض هذه الحقوق دون بعض بقياس الشهادة في الهلال عليه ؟
وهذا الردّ من ابن حزم كاف ، لكنّا نزيد عليه أنّه قياس مع فارق كبير ؛ إذ إثبات الشهور متعلّق بالظواهر الكونيّة ، وإثبات الحقوق متعلّق بالمعاملات الاجتماعيّة .
وقد ردّ الأصوليّون كلّ قياس فسد اعتباره بأن يعتبر فيه « حكم بحكم مع اختلافهما في الموضع » ( أبو إسحاق الشيرازي ) وهذا منطبق على مثالنا .
وعلماء الإبستمولوجيا في وقتنا يجعلون لكلّ ميدان أو مجموعة من الميادين العلميّة قواعد معرفيّة خاصّة ، مع أنّهم وضعوا أيضا قواعد مشتركة بحثوها في كتب « الإبستمولوجيا العامّة » . ومن ضوابط فساد الاعتبار عند الأصوليين أيضا « أن يعتبر ما بني على التخفيف على ما بني على التغليظ في إيجاب التغليظ أو العكس » ( أبو إسحاق الشيرازي ) .
ونحن نبرهن أنّ إثبات الشهور بني على التغليظ بينما بني إثبات الحقوق في الأموال وما شاكلها على التخفيف النسبي ، وعليه لا يستقيم قياس هذا بذاك للفارق .
فممّا يدلّ على انبناء إثبات الشهور الهلاليّة على التغليظ :
1 - الاستصحاب .
2 - ما جاء في القرآن من تكفير المتلاعب المتساهل في إثبات الشهور أو المتعمّد إنساء إثباتها ، قوله :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
« 1 » .
3 - ما رواه الإمام عليّ عليه السّلام عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « من ألحق في رمضان يوما من غيره فليس بمؤمن بالله ولا بي » .
4 - ما روي عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام أنّه قال : « إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله ، فلا تؤدّوا بالتظنّي » .
وممّا يدلّ على انبناء إثبات الحقوق المتنازع فيها قضاء على التخفيف النسبي :
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 37 .