ثمّ إنّنا لو سلّمنا جدلا بصحّة هذا القياس ، لوجّهنا إلى أصحابه الاعتراض الآتي : إنّكم إذ تشترطون خبر الواحد لإثبات الشهور أو بعض الشهور لم تطلبوا في المخبر إلّا توفّر العدالة التي ردّدنا عليكم بشأنها قبل قليل ، بينما كان من المفروض الواجب أنّ قياسكم يقتضي تطلّب كلّ الشروط التي أوجبتم توفّرها في راوي الحديث في المخبر بدخول الشهر . فمن المعلوم أنّ راوي الحديث يجب أن يكون عدلا ضابطا .
والضبط في رواية الأحاديث أن يكون المرء فطنا عالما بالعربيّة ، مترادفاتها وأساليبها ومعانيها ؛ لكي يحسن أداء ما سمع باللفظ أو بالمعنى . فلما ذا لم تشترطوا في المخبر بدخول الشهر ، ليكتمل القياس ، أن يكون ضابطا أي عالما بما يخبر به من الظواهر الفلكيّة ، فطنا حذرا في إخباره لتجربته المشاهدات وعلمه بأنّها كثيرا ما تلتبس بالأوهام والأخطاء ؟
فالضبط في رواية الأخبار الدينيّة مختلف عن الضبط في الإخبار بالظواهر الكونيّة ، لكن رغم ذلك لم نجدهم اشترطوا لا هذا النوع ولا ذاك من الضبط في مسألتنا .
ومن حججهم العقليّة : أيضا التي برّروا بها اشتراطهم الشاهدين في شوّال وغيره بخلاف رمضان الذي قبلوا فيه خبر أو شهادة الواحد ، أنّ الأوّل يتعلّق به نفع العباد والشاهد الواحد قد يشهد بدخوله ليجرّ إلى نفسه ذلك النفع وهو الإفطار ، بينما الثاني لا يتعلّق به نفع فلا يوجد فيه ما يجرّه الشاهد أو المخبر إلى نفسه ، فانتفت التهمة وعليه تساهلوا في إثباته فلم يطلبوا العدد .
والجواب على هذا يتمّ على مرحلتين :
ففي الأولى لا بدّ لنا أن نعلم أنّ علماء الفقه بإجراءات القضاء - ونخصّ منهم المالكي ابن فرحون في تبصرته - عدّدوا موانع سبعة لقبول الشهادة مع بقاء عدالة الشاهد ، من تلك الموانع « أن يجرّ ( الشاهد ) لنفسه منفعة أو يدفع عنها مضرّة » .
وقد ردّ ابن حزم في المحلّى على المفرّقين فقال : « فإن قالوا : إنّ الشاهد في هلال رمضان لا يجرّ إلى نفسه ، والشاهد في هلال شوّال يجرّ إلى نفسه ، قلنا : فردّوا بهذا الظنّ بعينه شهادة الشاهدين في شوّال أيضا : لأنّهما يجرّان إلى نفسهما كما تفعلون في سائر الحقوق » .
وابن حزم محقّ في ردعه عليهم ؛ لأنّ الذين قالوا بأنّ جرّ النفع إلى النفس مانع من موانع
رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 3096
مساهمون: رضا مختاري
ص٣٠٩٦