وقد جاء في القرآن :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
« 1 » . ولا يظهر فسق الشاهد أو المخبر ، بأن يكون كاذبا أو مخطئا ، إلّا بعد التبيّن والتثبّت ، كما يفهم من له دراية بالأمور واطّلاع على سبب نزول الآية .
ومن حججهم العقليّة : ما برّر به الحنابلة والحنفيّة ، وكذا الطرطوشي وابن فرحون من المالكيّة بما يشبه قولهم ، اقتصارهم على قول الواحد - وإن كان امرأة عند أكثرهم - أن الإخبار برمضان - وشوّال أيضا عند بعضهم - خبر ديني فأشبه رواية الأحاديث .
والجواب على هذا من وجهين :
أمّا الوجه الأوّل : فأن نقول : إنّ الإخبار بدخول الشهر إنّما هو خبر عن ظاهرة كونيّة ، هي ظهور الهلال المؤذن به ، وليس في الهلال ذاته ما يتعلّق بالدين .
فهو ليس معبودا ولا مقصود لعبادة أو مقدّسا كالكعبة والحجر الأسود .
ولا فرق بينه وبين غيره من الظواهر الفلكيّة والمخلوقات . والذي جاء في القرآن أنّه علامة للشهور :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ
« 2 » . فالقول بأنّه خبر ديني لا أساس له ، بل لو كان صحيحا لاقتضى عكس ما ذهبوا إليه من عدم التثبّت وعدم الحرص على تحرّي اليقين .
ثمّ إذا كانوا يفرّقون بين شروط إثبات رمضان وشروط إثبات غيره من الشهور - خاصّة إذا لم تكن هذه الشهور شوّالا الذي فيه عيد الفطر ، ولا ذي الحجّة الذي فيه عيد الأضحى ، بحجّة أنّ رمضان يختصّ بكونه زمنا وأجلا لعبادة واجبة - رددنا عليهم مع الشيخ السايس بأنّ سائر الشهور الباقية إذا تعلّق بدخولها وجوب عبادة منذورة مثلا أو حقّ لازم كالدين والأثمان صارت زمنا شرعيّا لكلّ ما تعلّق بها ولا فرق .
ورمضان تتعلّق بدخوله المعاملات والعبادات ، كما تتعلّق بدخول غيره من شهور السنة العبادات والمعاملات سواء بسواء .
ونغتنم الفرصة لتنبيه القارئ إلى أنّ كثيرا من الفقهاء - ومنهم ابن عابدين في رسالته - يربطون بين إثبات الشهور وثبوت الحقوق ربطا عضويّا . حتّى إذا ادّعى دائن على مدينه
هامش
( 1 ) . الحجرات ( 49 ) : 6 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 189 .