الفارق الأوّل : أنّ الخبر الأوّل عن ظهور الهلال ورؤيته ، وهو أمر يهمّ جميع الناس مسلمهم وذمّيهم ، عدلهم وفاسقهم ، ما داموا يحيون جميعا في مجتمع يعتمد التقويم الهلالي .
أمّا الخبر الثاني فعن ورود كلام على لسان صاحب الشريعة صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو قيامه بفعل أو إقراره على فعل .
وهو أمر مختلف ، علاوة على أنّ من ينقله عنه لا يكون إلّا المتّبع الذي يهمّه النقل عن صاحب الشريعة .
أمّا غيره من أهل الذمّة مثلا فلا يشتغل بهذه الأمور .
الفارق الثاني : أنّ اشتراط العدالة في الخبر الثاني يبرّره تحرّي الصدق فيما لا طريق لمعرفته إلّا رواية الصادق عن الصادق ؛ إذ إنّ أحكام الشرع لها صبغة تعبديّة غير معقولة ( ولو بدرجات متفاوتة بين العقائد والعبادات والتشريعات ) .
أمّا اشتراط العدالة في الخبر الأوّل فغير مبرّر ؛ لأنّ ثمّة سبلا كالمشاهدة والاستقراء وغيرهما نتمكّن بهما من تمحيص صحّة الخبر من سقمه .
لذلك نقول إنّ قياس الإخبار بدخول الشهور على الإخبار عن صاحب الشريعة هو قياس فسد اعتباره .
وفساد الاعتبار « أن يرد الشرع بالتفرقة بين أمرين فيجمع بينهما » ( أبو إسحاق الشيرازي ) .
وقد جاء في الشرع في الأمور الخارجة عن الأخبار الدينيّة :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
« 1 » .
أمّا الأخبار الدينيّة ، فلا يقبل فيها خبر الفاسق أصلا ولا داعي للتبيّن كما هو واضح ؛ لأنّ العدالة وعدم الفسق مشترطة مسبقا ، ولأنّ تبيّن الصدق فيها يقتضي الرجوع إلى الأصل المخبر عنه - وهو صاحب الشريعة - وقد تعذّر ذلك واستحال .
ولقد عرّف أبو إسحاق الشيرازي فساد الاعتبار بأن « يعتبر حكم بحكم مع اختلافهما في الموضع » .
وحسب هذا التعريف أيضا يظهر بطلان القياس المذكور .
هامش
( 1 ) . الحجرات ( 49 ) : 6 .