أ ) نقد المفرّقين بين الشهور في شروط ثبوتها
احتجّ المفرّقون بأدلّة نقليّة وعقليّة .
فمن الحجج النقليّة : ما رواه ابن عبّاس عن الرسول أنّه قبل لإثبات شهر رمضان بقول الواحد ، وأنّه فيما رواه ربعي بن حرّاش قضى في هلال شوّال بشهادة اثنين . فاستنادا على هذين الحديثين قالت طائفة : لا نقبل في ثبوت شوّال بأقلّ من شاهدين ، ولا بأس في إثبات شهر رمضان بالشاهد أو المخبر الواحد .
وقد ردّ عليهم كلّ من أبي بكر بن المنذر وأبي ثور وأهل الظاهر وابن رشد الحفيد بأن قالوا : إنّ الحديثين السالفين يدلّان على جواز إثبات الشهرين بالأمرين جميعا - أي بالواحد وبالاثنين فما أكثر - « لا أنّ ذلك تعارض ولا أنّ القضاء مختصّ بالصوم والثاني بالفطر ، فإنّ القول بهذا إنّما ينبني على توهم التعارض » ( ابن رشد الحفيد ) .
ومن الحجج العقليّة : أنّ الحنابلة والشافعيّة في المذهب القديم برّروا قبولهم إثبات شهر رمضان بقول الواحد ( شاهدا اعتبر أو مخبرا ) بأنّه أحوط للصوم وللعبادة .
والاحتياط كما فهموه ليس دليلا ولا مرجّحا لدليل . بل غايته أن يكون ظنّا محضا ، لكن فهمهم هذا للاحتياط الشرعي خاطئ كما سيتبيّن ، إذ هو كما قرّره العلّامة محمّد تقي الحكيم في كتابه الأصول العامّة للفقه المقارن وظيفة مجعولة من قبل الشارع للمحافظة على الواقع الكائن ، وهو ليس بحكم .
والذي تقتضيه أصول الشريعة اعتماد اليقين لا الظنّ ، فإنّ
الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
« 1 » كما ورد في القرآن .
وبعبارة علماء القواعد الفقهيّة « اليقين لا يزال بالشكّ » ولفظ الإمام جعفر الصادق عليه السّلام :
« لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ » . وهو ما عبّر عنه علماء الأصول بالاستصحاب . فاستصحاب الأصل أن نحكم ببقاء الشهر حتّى يثبت دخول غيره بما يفيد العلم أو الظنّ الراجح ، أو نكمل العدّة ثلاثين يوما .
ولسنا نحمل على من يقول بقبول خبر الواحد ، بل نحمل على من يقبله لمجرّد أنّ
هامش
( 1 ) . النجم ( 53 ) : 28 .