نعم ، لا بأس للقطع في الحكم بالنظر إلى اقتضاء أدلّة المثبت والمانع معا إن كان دليل المنع منحصرا في البناء المذكور ، مع أنّ جملة من الأصحاب تمسّكوا بالأصل وأدلّة الحصر الظاهرة في الفرد الشائع ، وهو الرؤية والشهادة في البلاد المتقاربة ، وإن عرفت ضعف هذا التمسّك أيضا .
ولقد أجاد الفاضل في آخر كلامه في المنتهى - وإن كان لي فيه نظر سيأتي في بيان الحقّ - قال :
وبالجملة ، إن علم طلوعه في بعض الأصقاع وعدم طلوعه في بعضها المتباعد عنه لكرويّة الأرض ، لم يتساو حكماهما ، وأمّا بدون ذلك فالتساوي هو الحقّ « 1 » .
وكأنّه رحمه اللّه جعل إطلاق الأدلّة أصلا لا يخرج منه إلّا بالعلم ، واستجوده صاحب المدارك « 2 » ، بل قوى شيخنا المعاصر « 3 » ( سلّمه اللّه ) اتّحاد الحكم في جميع البلاد بمنع اتّفاق العلم باختلاف المطالع عادة .
ولكنّ الحقّ في المقام أنّ الشهور الاثنا عشر ليست من الأمور الإضافيّة ، فيكون لكلّ أفق شهرا ، بل إنّما مدارها على صيرورة القمر في السماء هلالا ، فمتى ما حصل ذلك فقد دخل الشهر .
وجعل الشارع للعلم بذلك أمارات : منها : الرؤية ، ومنها : الشهادة ، ولذلك لا يسقط الشهور في الآفاق الرحويّة ، مع أنّ طلوع الشمس والقمر فيها ليس على هذا النحو المعروف .
وبالجملة ، إذا شهد العدل بالرؤية فقد ثبت الهلاليّة ، فيلاحظ الساعات مع اختلاف المطالع ، فإن كان وقت الرؤية ليلا في محلّ الشهادة أو سابقا منه فيصوم غده ، وإن كان متأخّرا عن الليل فيبنى على مسألة رؤية الهلال قبل الزوال .
لكنّ الظاهر عدم التفاوت بهذا المقدار في المعمورة ، ولعلّ إلى هذا نظر من قال : إنّا نقطع بالرؤية هاهنا كما رئي هناك عند عدم المانع ، فكأنّه جعل نفس تفاوت الأفق مانعا .
هذا مع اختلاف المطالع ، وبدونه فأوضح ، فظهر عدم الفرق بين أن يعلم طلوعه في بعض الأصقاع وعدمه في آخر أو لا ، فتدبّر جدّا .
ويؤيّده - بل ويشهد له - ما استفاض من الأخبار - بل تواترت - في شرف ليلة القدر ،
هامش
( 1 ) منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 593 ، الطبعة الحجرية .
( 2 ) مدارك الأحكام ، ج 6 ، ص 172 .
( 3 ) يعني صاحب الجواهر فيما سبق من كلامه في هذا القسم من هذه المجموعة .