وقد أورد على جميع تلك الأدلّة بانصراف الأخبار عن شهادة أهل البلاد النائية جدّا بحكم تبادر ما هو المتعارف من إتيان الشهود من البلاد المتقاربة بعضها إلى بعض ، لكن يمكن منع الانصراف المذكور كمنع التبادر .
وأمّا الشيوع والتعارف المدّعى فإنّما هو في الوجود الخارجي ، كما لا يخفى على المتأمّل .
وأمّا الطريق الثاني : فالتفت إليه الفاضل « 1 » وغيره « 2 » . وقال ولده الرشيد فخر المحقّقين في الإيضاح : إنّ مبنى المسألة على أنّ الأرض هل كرويّة أو مسطّحة ؟ ثمّ أخذ يستدلّ على الأوّل - بعد تقريبه « 3 » - بتفاوت أزمان الكسوفات بالنسبة إلى الآفاق الشرقيّة والغربيّة ، ورتّب عليه تأخّر غروب الشمس وطلوعها في البلاد الغربيّة عنهما في الشرقيّة ، وارتفاع القطب الشمالي وانخفاض الجنوبي بالنسبة إلى من يسير شمالا بأحد خطوط نصف النهار ، والعكس لمن يسير جنوبا « 4 » .
وما حقّقه رحمه اللّه موافق للاعتبارات الرياضيّة ، وإلّا فما ذكره من الأدلّة بمجرّده غير مفيد ؛ للقطع بكريّة الأرض وإحاطة السماء عليها ؛ لإمكان حصول ما ذكر من ارتفاع القطبين وانخفاضهما بالسير ، وتفاوت مغارب الشمس ومطالعها ، واختلاف ساعات الخلاف والكسوف وأمثال ذلك ، كلّا أو بعضا ، بطرق أخر من الأشكال والهيئات ، بحيث لا ينافي التسطيح فيهما أو في إحداهما .
وأمّا على القواعد الرياضيّة والهيويّة ، فلا بأس بما ذكر ، لكن جملة من براهينهم مبنيّة على أمور حسّيّة لم تثبت مشاهدتها إلّا بإخبار أهل الأرصاد أو السائرين في البلاد الذين لم تثبت عدالتهم ، فلا عبرة بشهادتهم . ودعوى العلم بإخبارهم غير خفيّ الضعف ، ومع ذلك كلّه فما ذكره رحمه اللّه من البناء غير تام ؛ إذ عليه بعد ذلك إثبات أنّ تفاوت الغروب في البلاد المعمورة يصل إلى حدّ تغرب الشمس في بعض البلاد قبل وصول القمر منه إلى حدّ الهلال الذي وصل إليه عند الغروب في هذا البلد الغربي ، وإثبات وصول تفاوت الغروب بين البلدين إلى مقدار ليلة واحدة فصاعدا ، أو دعوى أنّ المعتبر من رؤية الهلال هو الواقع في حوالي
هامش
( 1 ) تذكرة الفقهاء ، ج 6 ، ص 122 - 124 ، المسألة 76 ؛ منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 593 ، الطبعة الحجرية .
( 2 ) كالشهيد في مسالك الأفهام ، ج 2 ، ص 52 .
( 3 ) أي بعد تقريب صاحب الإيضاح هذا الوجه .
( 4 ) إيضاح الفوائد ، ج 1 ، ص 252 .