وشعبان ؛ لتشعّب القبائل فيه . وشهر رمضان ؛ للحجارة ترمض فيه من شدّة الحرّ .
وشوّال ؛ لارتفاع الحرّ وإدباره . وذي القعدة ؛ للزومهم منازلهم . وذي الحجّة ؛ لحجّهم فيه . . . .
وكانوا في الجاهليّة يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام ، وكان يدور حجّهم في الأزمنة الأربعة . ثمّ أرادوا أن يحجّوا في وقت إدراك سلعهم من الأدم والجلود والثمار وغير ذلك ، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة وفي أطيب الأزمنة وأخصبها ؛ فتعلّموا الكبس من اليهود المجاورين لهم ، وذلك قبل الهجرة بقريب من مائتي سنة ، فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود ، من إلحاق فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس شهرا بشهورها إذا تمّ ، ويتولّى « القلامس » من بني كنانة بعد ذلك أن يقوموا بعد انقضاء الحجّ ؛ ويخطبوا في الموسم ، وينسئوا الشهر ، ويسمّوا التالي له باسمه ، فيتّفق العرب على ذلك ، ويقبلون قوله ، ويسمّون هذا من فعلهم « النسيء » ؛ لأنّهم كانوا ينسئون أوّل السنة في كلّ سنتين ، أو ثلاث شهرا على حسب ما يستحقّه التقدّم . قال قائلهم [ من الطويل ] :
لنا ناسئ تمشون تحت لوائه * يحلّ إذا شاء الشهور ويحرم
وكان النسيء الأوّل للمحرّم ، فسمّي صفر به ، وشهر ربيع الأوّل باسم صفر ، ثمّ والوا بين أسماء الشهور ، وكان النسيء الثاني لصفر ، فسمّي الذي كان يتلوه بصفر أيضا ، وكذلك حتّى دار « النسيء » في الشهور الاثني عشر ، وعاد إلى المحرّم ، فأعادوا بها فعلهم الأوّل . وكانوا يعدّون أدوار النسيء ، ويحدّون بها الأزمنة ، فيقولون : قد دارت السنون من لدن زمان كذا إلى زمان كذا وكذا دورة . فإن ظهر لهم مع ذلك تقدّم شهر عن فصله من الفصول الأربعة - لما يجتمع من كسور سنة الشمس ، وبقيّة فصل ما بينها وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها - كبسوها كبسا ثانيا ، وكان يبين لهم ذلك بطلوع منازل القمر وسقوطها ، حتّى هاجر النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلم ، وكانت نوبة النسيء - كما ذكرت - بلغت شعبان فسمّي محرّما ، وشهر رمضان « صفر » .
فانتظر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى دار النسيء ، وعادت الشهور إلى مواضعها الحقيقيّة ، فحجّ حينئذ « حجّة الوداع » « 1 » وخطب للناس ، وقال فيها : « ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض » . عنى بذلك أنّ الشهور قد عادت إلى مواضعها ، وزال عنها فعل العرب
هامش
( 1 ) « حجّة الوداع ») farewell pilgrimage (كه اشپرنگر در كتاب زندگى وآموزهء محمّد ( 3 / 515 - ) بشرح آورده ، دربارهء تحريم « نسىء ») intercalation (از طرف پيامبر ( ص 534 به بعد ) .