محلّ آخر يختلف عنه قليلا أو كثيرا ، كان من تعارض الحجّتين كما سبق .
فهذه ثمان نقاط تعطي فكرة كافية في أمثالها ممّا فاتنا ذكره ، وعلى هذه فقس ما سواها .
الجهة الرابعة
في معنى التطويق وحكمه وسببه .
أفتى سيّدنا الأستاذ بأنّه :
إذا لم يثبت الشهر في ليلة الشكّ ولكن وجد الهلال في الليلة الأخرى مطوّقا ، فهذا معناه شرعا أنّ تلك الليلة التي حصل فيها التطويق هي الليلة الثانية من الشهر ، وليس الأولى ، كما هو مقتضى القاعدة الأوّليّة لإكمال العدّة من الشهر السابق . « 1 »
وهذا مطابق لرواية معتبرة سندا عن محمّد بن مرازم ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :
« إذا تطوّق الهلال ، فهو لليلتين ، وإذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث » « 2 » .
ونتكلّم فيما يلي ضمن عدّة مستويات :
المستوي الأولى : في الإشارة باختصار لمناقشة دلالة هذه الرواية على مراد السيّد الأستاذ ؛ لأنّنا فقهيّا لم نوافقه على فتواه ، ولم نعتبر التطويق دليلا على كون الليلة هي الثانية ، وذلك للاعتبارات التالية :
أوّلا : إعراض المشهور عن الفتوى على طبق الرواية ، وهو وإن كان بدرجاته الضعيفة غير مخلّ بالحجّيّة ، إلّا أنّ الإعراض الكثير ، بحيث يصبح الفقيه الآخذ بها شاذّا أو قريبا من الشذوذ ، فالصحيح أنّه مخلّ بالحجّيّة ، والأمر هنا كذلك ؛ لأنّ الشاذّ من الفقهاء هو الذي أفتى بمضمونها .
ثانيا : أنّ ظاهر كلام الإمام عليه السّلام في الرواية كونه يدلّ السامع على قاعدة تكوينيّة وليست قاعدة تشريعيّة ، تكون كالمساعدة في استكشاف عدد أيّام الشهر ، ولا شكّ في كونها مساعدة في ذلك ؛ إذ لو حصل الوثوق بالعدد نتيجة للتطويق كان ذلك حجّة .
وأمّا ما قيل في علم الأصول من أنّ ظاهر كلمات الأئمّة عليهم السّلام بأنّها بيان لحكم شرعي لا لحقيقة تكوينيّة ، فهذا صحيح في الأمور المربوطة بالتشريع ، كالطهارة والصلاة والصوم وغيرها . وأمّا مجرّد الاعتراف بذلك تعبّدا ، فهو ناشئ من الغفلة عن العدد الضخم الوارد في
هامش
( 1 ) انظر منهاج الصالحين ، ج 1 ، ص 278 .
( 2 ) تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 178 ، ح 495 .