وإنّما لم يذكر الخروج عن تحت الشعاع في الأدلّة الشرعيّة ؛ لبعده عن أذهان عامّة الناس فيكون بالنسبة إلى سواد الناس من الإحالة على المجهول ، وإلّا فالمناط عليه ، اتّحدت آفاق البلاد أو اختلفت .
الأمر الثالث : ليس في الأخبار التي عندنا اسم من اتّفاق الأفق في البلاد واختلافه ، فتكفي رؤية الهلال في بعض البلاد لبعض آخر في الأوّل دون الأخير ، ولم نظفر على هذا التعبير أو ما يقاربه في الأخبار بشيء . نعم ، ذكر فيها الغيم والعلّة في السماء ، ولو كان للتقارب دخل في الحكم أو الموضوع لأشير إليه في خبر من الأخبار . وليس اعتبار التقارب معقد إجماع معتبر أصلا ، بل تمسّك بعضهم بما في دعاء السمات : « وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرءى واحدا » « 1 » على عدم الاختلاف رأسا ، وآخر بأنّ الأرض مسطّحة لا كرويّة ، ولعلّ مراده التسطيح النسبي لا الحقيقي حتّى ينافي العلوم الحديثة العصريّة ، فمن أين حصل هذا القيد الذي أوقع الناس في الاختلاف في هذه المسألة العامّة البلوى ؟
والمناط كلّه على صدق أوّل الشهر ، والأوّلية تصدق عرفا باشتراك البلاد المختلفة في خروج القمر عن تحت الشعاع وبروزه في الأفق ولو في بعض الوقت ، وإن اختلفت البلاد في الأفق بكثير ما لم يصل الاختلاف إلى مقدار اليوم أو الليلة .
وبعبارة أخرى ليلة أوّل الشهر ليلة خروج القمر عن تحت الشعاع ، وبروزه إلى الأفق في أيّ أفق من آفاق البلاد كان ، وهذه الليلة ليلة أوّل الشهر في جميع بلاد العالم بشرطين : الأوّل :
اتّحادها في جامع الليلة بساعات يسيرة . الثاني : - وهو عبارة أخرى عن الأولى - أن لا يكون بقدر يوم أو ليلة ، وذلك كلّه لصدق بروز القمر في الأفق في الجميع وخروجه عن تحت الشعاع كذلك .
إن قيل : فليكن كذلك بالنسبة إلى الظهر والمغرب أيضا مع أنّه خلاف الوجدان من اختلافهما باختلاف البلدان .
يقال : القياس مع الفارق ؛ لأنّ ليلة أوّل الشهر لوحظت بعرضها العريض المنطبق على كلّ بلد تحقّق فيه عنوان الليلة مع خروج القمر عن تحت الشعاع وبروزه في الأفق ، بخلاف الظهر والمغرب ؛ فإنّهما لو حظا بالنسبة إلى كلّ بلد مع ملاحظة عرضها وطولها ، وليس في البين
هامش
( 1 ) مصباح المتهجّد ، ص 417 .