عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
« 1 » إلى آخره ، وقال تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
« 2 » .
والنصوص المتواترة قد أطبقت على وجوبهما على سبيل الإطلاق وعلى كلّ مكلّف ، كحديث بناء الإسلام على الخمس « 3 » ، وأنّ الصلاة بمنزلة الروح « 4 » ، وأنّ من صلّى خمسا كمن غسل بدنه في كلّ يوم خمسا لا يبقى فيه شيء من القذارات « 5 » .
والحاصل أنّ وجوبهما على كلّ أحد في كلّ وقت - بحيث لا يسعه التفويت والتضييع بوجه من الوجوه - أمر مقطوع به لا تكاد تختلجه شائبة الإشكال .
ومن البيّن أنّ المكث والبقاء في أحد القطبين الخاليين عن ليل ونهار متعارف من أحد موجبات التضييع والتفويت ؛ إذ لا تتيسّر معه الصلاة والصيام على النهج المقرّر شرعا بعد عدم الدليل على التبعيّة لسائر البلدان المتعارفة حسبما عرفت .
ومنه تعرف أنّ مقتضى الصناعة حرمة البقاء في تلك المواطن ووجوب الهجرة إلى المناطق المتعارفة مقدّمة للإتيان بتلك الواجبات وعدم الإخلال بها .
ونظير ذلك ركوب طائرة تعادل سرعتها سرعة حركة الأرض - أي تسير حولها في أربع وعشرين ساعة - وكانت متّجهة من الشرق إلى الغرب ، فإنّ مثل هذا المسافر لا يزال في حالة واحدة لا يرى طلوعا للشمس ولا غروبا لها ، فلو كان الاطّلاع بعد ساعة من طلوع الشمس واستمرّ السير شهرا - مثلا - فالوقت عنده دائما هو ساعة بعد طلوع الشمس ، لا يشاهد زوالا ولا غروبا ولا فجرا ، فلا جرم تفوته الصلوات في أوقاتها ، كما لا يتمكّن من أداء الصوم .
ومن ثمّ يحرم عليه مثل هذا السفر المستلزم لتفويت الفريضة وعدم التمكّن من أدائها .
ونظيره أيضا السفر إلى كرة القمر التي يكون كلّ من نهارها وليلها خمسة عشر يوما ، ويكون مجموع الشهر فيها يوما وليلة ، فلا يتيسّر الصوم ولا الصلوات الخمس في أوقاتها .
وعلى الجملة ، بعد ما علمنا من الخارج أنّ الصلاة والصيام من أركان الدين ولا يسوغ تركهما في أيّ وقت وحين ، والتبعيّة لأفق آخر ليس عليها برهان مبين ، إذن لم يكن بدّ لهؤلاء
هامش
( 1 ) البقرة ( 2 ) : 183 .
( 2 ) البقرة ( 2 ) : 185 .
( 3 ) الخصال ، ج 1 ، ص 277 - 278 ، باب الخمسة ، ح 21 .
( 4 ) لم نقف عليه .
( 5 ) تهذيب الأحكام ، ج 2 ، ص 237 ، ح 938 .