بثبوت القضاء لدى تحقّق التطويق أيضا ، كثبوته لدى قيام البيّنة ، عملا بالصحيحة المتقدّمة .
هذا ، وغير بعيد أن تكون الصحيحة مسوقة للإخبار عن أمر تكويني واقعي لا لبيان تعبّد شرعي ، وهو أنّ التطويق بمقتضى قواعد الفلك لا يكون في الليلة الأولى أبدا ، وإنّما هو في الليلة الثانية فحسب ، فيكون الكشف فيه كشفا قطعيّا حقيقيّا ، لا طريقا مجعولا شرعيّا ، ولا بدع ، فإنّهم ( صلوات اللّه عليهم ) مرشدوا الخلق في كلّ من أمري التكوين والتشريع .
والشاهد على ذلك قوله عليه السّلام في ذيلها : « وإذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث » « 1 » ، فإنّ من الواضح عدم ابتناء هذه الفقرة على التعبّد ، وإنّما هي حكاية عن أمر تكويني خارجي ؛ لعدم حدوث الظلّ قبل الثلاث بالوجدان ، فمن الجائز أن تكون الفقرة السابقة أيضا كذلك بمقتضى اتّحاد السياق .
ولعلّ هذا هو السرّ في عدم ذكر ذلك في كلمات المشهور ، حيث إنّهم بصدد عدّ الطرق الشرعيّة التعبّديّة لا الأمر التكويني المورث لليقين الوجداني ، ولكنّه بعيد كما لا يخفى .
وكيفما كان ، فسواء كانت الصحيحة ناظرة إلى بيان حكم شرعي أم أمر تكويني لم يكن بدّ من الأخذ والعمل بها ، ولا يسعنا رفضها - وإن لم يعمل بها المشهور - بعد استجماعها شرائط الحجّية من صحّة السند وصراحة الدلالة ، ولم يثبت الإعراض عنها ، وعلى تقدير ثبوته لا يكون قادحا على الأقوى ، كما مرّ .
إذن فالأظهر ثبوت الهلال بالتطويق تبعا لبعض الأصحاب وإن كان على خلاف المشهور ، واللّه سبحانه أعلم بحقائق الأمور .
الأمر الثاني : ذهب الصدوق في الفقيه إلى أنّ شهر رمضان تامّ لا ينقص أبدا ، كما أنّ شهر شعبان ناقص دائما « 2 » ؛ لنصوص دلّت على ذلك صريحا ، التي منها : ما رواه عن حذيفة بن منصور ، عن معاذ بن كثير ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص واللّه أبدا » « 3 » . وعنه أيضا قال :
قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : إنّ الناس يقولون : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صام تسعة وعشرين أكثر ممّا صام ثلاثين ، فقال :
هامش
( 1 ) الكافي ، ج 4 ، ص 78 ، باب الأهلّة والشهادة عليها ، ح 11 .
( 2 ) الفقيه ، ج 2 ، ص 170 - 171 ، ح 2044 .
( 3 ) الفقيه ، ج 2 ، ص 169 - 170 ، ح 2043 .