الهلال على العلم أو العلمي ، وعدم جواز الاتّكال على الاحتمال أو التظنّي ؛ إذ في فرض استهلال جماعة كثيرين - وليس في السماء علّة - لو ادّعى الهلال حينئذ رجلان قد يطمأنّ بخطئهما ، فلا تكون مثل هذه البيّنة مشمولة لدليل الحجّية ، فلا ينافي ذلك حجّية البيّنة في نفسها ، ولأجل ذلك أجاز عليه السّلام شهادة الرجلين مع وجود العلّة ، وكون المخبر من خارج البلد ؛ لانتفاء المحذور المزبور حينئذ ، كما هو ظاهر .
وثالثا : مع التسليم فغايته معارضة هذه الرواية مع الروايات الخاصّة المتقدّمة الناطقة بحجّية البيّنة في خصوص الهلال ، فيتساقطان ، ويرجع بعدئذ إلى عمومات حجّية البيّنة على الإطلاق حسبما تقدّم .
الثانية : رواية أبي العبّاس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « الصوم للرؤية ، والفطر للرؤية ، وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون » « 1 » .
وهي أيضا ضعيفة بالقاسم بن عروة ، فإنّه لم يوثّق . نعم ، ورد توثيقه في الرسالة الصاغانيّة « 2 » ، ولكن الرسالة لم يثبت بطريق صحيح أنّ مؤلّفها الشيخ المفيد قدّس سرّه .
ومع الغضّ عن السند فالدلالة أيضا قاصرة ؛ لأنّها في مقام بيان أنّ دعوى الرؤية بمجرّدها لا أثر لها وإن كان المدّعي خمسين رجلا ؛ لجواز تواطئهم على الكذب ، فإنّ غاية ذلك الظنّ وهو لا يغني من الحقّ ، فلا يسوغ التعويل عليه ، بل لا بدّ من الاعتماد على العلم ، أو ما هو بمنزلته ، فلا تنافي بينها وبين ما دلّ على حجّية البيّنة وأنّها بمثابة العلم تعبّدا .
وعلى الجملة ، فالرواية ناظرة إلى عدم كفاية الظنّ ، وكأنّها - على ما أشار إليه في الجواهر « 3 » في ذيل رواية أخرى - تعريض على العامّة ، حيث استقرّ بناؤهم قديما وحديثا على الاستناد على مجرّد دعوى الرؤية ممّن يصلّي ويصوم ، ومعلوم أنّ هذا بمجرّده غير كاف في الشهادة .
فهذه الرواية أجنبيّة عن فرض قيام البيّنة ، ولذا لم يفرض فيها أنّ الخمسين كان فيهم العدول .
الثالثة : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام : قال :
إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، وليس بالرأي ولا بالتظنّي ، ولكن بالرؤية
هامش
( 1 ) تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 156 ، ح 431 .
( 2 ) المسائل الصاغانية ( ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ، ج 3 ) ، ص 71 - 72 .
( 3 ) جواهر الكلام ، ج 16 ، ص 356 .