أقول : من البعيد جدّا أن يكون نظر المحقّق قدّس سرّه في قوله : « من الحشويّة » إلى الصدوق .
ولا ينبغي منه أن يكون ناظرا إليه ، كما لا ينبغي على الصدوق قدّس سرّه أيضا أن يعبّر عن القائلين بالرؤية بضعفة الشيعة وبالاتّقاء عنهم مثل ما يتّقى عن العامّة ، معلّلا بأنّ البدعة تماث بترك ذكرها مع ذهاب جلّ الفقهاء إلى القول بها ، وإنّها الموافق للقرآن الكريم ، أعني قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 1 » حيث إنّه نصّ في أنّ المدار في الشهور على الأهلّة ، وقد دلّت عليه الأخبار المتظافرة بالغة إلى عدد كثير ، وإنّه الموافق مع الوجدان ؛ إذ لا فرق بين شهر رمضان وبين غيره في طروّ الزيادة والنقصان ، والمعصوم من عصمه اللّه تعالى ( عصمنا اللّه تعالى من الخطأ والزلل ومن الطغيان في القلم ) .
وكيف كان ، فعن بعض الأخباريّة اختيار هذا القول ، وقد يسند إلى طائفة منهم المسمّون بالشيخيّة ، والأقوى ما عليه المشهور ، أمّا على المختار في حجّية الخبر فلسقوط أخبار العدد عن الحجّية بإعراض المشهور عن العمل بها ، وأمّا على تقدير شمول أدلّة الحجّية لها فقد قيل بترجيح أخبار الرؤية بوجوه لا يسلم شيئا منها عن المناقشة لا حاجة إلى ذكرها . والأظهر عندي كون أخبار العدد أخبارا مدسوسة ناشئة عن دسّ الدسّاسين والزنادقة البارزة في عصر الصادق عليه السّلام ، ويؤيّده كونها - إلّا واحدا منها - منسوبة إلى الصادق عليه السّلام ، وقد قال ابن أبي العوجاء « 2 » أوان قتله :
واللّه لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال وأحلّل فيها الحرام ، واللّه لقد فطّرتكم يوم صومكم وصوّمتكم يوم فطركم « 3 » .
وذاك إشارة إلى أنّ أخبار العدد من مجعولاته ومدسوساته ، حيث إنّ بها يحصل الفطر في يوم الصوم والصوم في يوم الفطر ؛ إذ الثمرة بين أخبار الرؤية وأخبار العدد تظهر فيما إذا لم يظهر الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان ، فيوم الثلاثين من أوّل شعبان يصير آخر شعبان عند العاملين بأخبار الرؤية ، وأوّل شهر رمضان عند القائلين بالعدد .
وإذا لم ير هلال شوّال فيوم الحادي والثلاثين من أوّل يوم الصوم ، وهو يوم الثلاثين من
هامش
( 1 ) البقرة ( 2 ) : 189 .
( 2 ) « هو أحد زنادقة عصر الإمام الصادق عليه السّلام ، كان من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد » . راجع الكنى والألقاب ، ج 1 ، ص 201 - 202 .
( 3 ) قاموس الرجال ، ج 11 ، ص 580 - 581 ؛ أمالي المرتضى ، ج 1 ، ص 127 - 128 .