كان ممكن الرؤية في تلك البلاد خاصّة دون بلد الراوي ، كما لا يخفى .
واحتمال أن يكون المراد أنّ الرؤية في تلك البلاد موجبة للشكّ في إمكان الرؤية في بلدك ، فلا تصم لأجل ذلك ، فيدلّ على أنّ العبرة ببلد المكلّف خاصّة ، كما ترى خلاف الظاهر جدّا ولو بالنظر إلى أنّه لو كان المراد ذلك لقال : صم بالرؤية في بلدك ، صريحا ، ولم يأمره بالصوم بالرؤية بقول مطلق الذي هو في مقابل العمل بقول أهل الحساب ونحوه من الأمور الظنّيّة ، كما أشرنا إليه مرارا ، وإلى أنّ من البعيد فرض الشكّ في إمكان الرؤية في بلد الراوي بعد فرض عدم رؤية جميع الناس طرّا مع عدم العلّة في السماء وكونه في استخراج أهل الحساب غير ممكن الرؤية ، فليس إلّا الشكّ في الرؤية في تلك البلاد لقول أهل الحساب بإمكان الرؤية فيها .
هذا كلّه ، مضافا إلى أنّ موضوع الشهر ممّا لا اختراع فيه للشرع ، بل إنّما هو كسائر الموضوعات العرفيّة التي علّق عليها الأحكام ، فالمرجع فيه ليس إلّا العرف ، والمدار فيه عندهم على الرؤية مطلقا ولو في البلاد المتباعدة ، فتأمّل جيّدا .
ويؤيّده أنّ عدم اختلاف الشهور في الأمصار لكون المدار على ذلك أنسب إلى الضبط ، وعدم تشويش الحساب ، وأوفق للحكمة جدّا ، فيناسب أن يكون هو المعتبر عرفا وشرعا .
هذا ، وممّا ذكرنا يتعيّن ضعف ما اختاره في المنتهى « 1 » أخيرا واستجوده في المدارك « 2 » من التفصيل ، وهو أنّه إن علم طلوعه في بعض الأصقاع وعدم طلوعه في بعضها المتباعد عنه لكرويّة الأرض لم يتساو حكماهما ، وأمّا بدون ذلك فالتساوي هو الحقّ ، فإنّه - مع ابتنائه أيضا على ما سمعت منعه من كون المدار على الرؤية في خصوص بلد المكلّف - ممّا لا شاهد له إلّا خيال انصراف الإطلاق عن صورة العلم دون الاحتمال ، أو التمسّك بأصالة عدم الاختلاف في الثاني ، وكلاهما من الوهن بمكان ؛ فإنّ الأوّل تحكّم صرف ، والثاني لا مسرح له هنا ؛ لكونه شكّا في الحادث .
وكيف كان ، فممّا ذكرنا يظهر سقوط ما فرّعوا على مقالة المشهور من إمكان أن يكون شهر رمضان أحدا وثلاثين يوما أو ثمانية وعشرين في حقّ من رأى هلال شهر رمضان في
هامش
( 1 ) منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 592 ، الطبعة الحجرية .
( 2 ) مدارك الأحكام ، ج 6 ، ص 171 - 172 .