منتهية إلى الحسّ والوجدان .
نعم ، قد ذكرنا سابقا أنّ الحكم بإمكان الرؤية بعد استخراج مقدار البعد أمر راجع إلى الحدس والتجربة ، وهو قد يكون ظنّيا وقد يكون قطعيّا على حسب تفاوت كمّيّة مقدار البعد المستخرج .
وكيف كان ، فهو لأهله قطعيّ في كثير من الشهور غالبا ، ولغير أهله أيضا قد يحصل القطع من إطباقهم إذا عرفهم بالعدالة والضبط والمهارة نادرا ، كما لا يخفى .
بل لأنّ المصير إلى القول الأوّل مبنيّ على أن يكون المدار في مبادئ الشهور على رؤية الهلال في بلد المكلّف أو ما يكشف عنه من الرؤية في البلاد المتقاربة ، ولا شاهد عليه جدّا .
بل الذي تشهد به الأدلّة إنّما هو كفاية الرؤية مطلقا ولو في بلد آخر من المعمورة مع عدم إمكان الرؤية في بلد المكلّف ، وذلك لإطلاق قوله عليه السّلام : « صم للرؤية ، وأفطر للرؤية » « 1 » وإطلاق ما دلّ على كفاية الرؤية في بلد آخر .
ودعواهم الانصراف فيه يدفعها أنّ الندرة وجوديّة ، فلا تصلح سببا للانصراف ، مع إمكان منع الندرة أيضا ؛ لأنّ الاطّلاع بحال البلاد المتباعدة وقيام البيّنة على الرؤية فيها بعد شهور أو سنة أمر غير نادر جدّا ؛ لكثرة تردّد القوافل العظيمة بين البلاد المتباعدة في كلّ زمان .
نعم ، الاطّلاع في نفس يوم الشكّ ممّا لم يكن يتّفق في تلك الأزمنة ؛ لامتناعه عادة ، إلّا بآلة التلگراف المخترع في زماننا ونحوها ، وهو غير مراد من تلك النصوص أيضا .
ولنصّ صحيحة محمّد بن عيسى :
ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان ، فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علّة فيفطر الناس فنفطر معهم ، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا : إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقيّة والأندلس ، فهل يجوز - يا مولاي - ما قال الحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الأمصار ، فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا ؟ فوقّع عليه السّلام :
« لا تصومنّ الشكّ ، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته » « 2 » .
حيث إنّ النهي عن الصوم لأجل كونه شاكّا من قولهم كالصريح في أنّه لو كان قاطعا برؤية أهل تلك البلاد لكان له حكمهم ، والحال أنّها من البلاد البعيدة جدّا بالنسبة إلى بلاد الراوي ، كما لا يخفى ، بل وظاهر السؤال أنّ [ ظ : أنّه ] في استخراج أهل الحساب أيضا إنّما
هامش
( 1 ) تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 164 ، ح 464 .
( 2 ) تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 159 ، ح 446 .