ولا لما في الجواهر من :
المنع عن اختلاف المطالع والمغارب في الربع المسكون ، إمّا لعدم كرويّة الأرض بل هي مسطّحة ، فلا تختلف المطالع حينئذ ، وإمّا لكونه قدرا يسيرا ، فلا اعتداد باختلافه بالنسبة إلى علوّ السماء « 1 » .
فإنّ كلّا من الأمرين ممّا يردّه بالوجدان أو البرهان - كما فصّل في محلّه - من علم المسالك والممالك والهيئة الطبيعي وغيرها .
وكفاك في التصديق بالأمرين قبل الوقوف على ما ذكروها في العلوم المذكورة ما ذكرنا من التفاوت المعلوم وجدانا بين البلاد بحسب اختلاف العروض والأطوال ، وبأوّلهما أنّ السائر إلى القطب الظاهر كالجدي - مثلا - يرى بالحسّ أنّه يرتفع القطب كلّما سار إليه حتّى يبلغ إلى وسط السماء ثمّ ينحطّ منه إلى الأفق إلى أن يغيب هو ويظهر القطب الآخر ، والسائر إلى مطلع الشمس يرى أنّه كلّما سار يتقدّم الطلوع ويتأخّر الغروب وإلى مغربه بالعكس ، وكذا سائر الكواكب ، وبثانيهما تساوي الليل والنهار في زمان ثمّ زيادة أحدهما ونقصان الآخر بمقدار معلوم في كلّ يوم بحسب حركة الشمس في البروج إلى حدّ ثمّ صيرورة الأمر بعكس ذلك ، فيأخذ الآخر في الزيادة وذلك في النقص إلى أن يتساويان مرّة أخرى ، وهكذا دائما .
وكذلك حال القمر وسائر الكواكب أيضا بالنسبة إلى مقدار ما لها من قوس الليل وقوس النهار على حسب سيرها في البروج ، وغير ذلك من الأمور الواضحة الجليّة .
ولا لما فيه أيضا من التمسّك بقوله عليه السّلام في الدعاء : « وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرأى واحدا » « 2 » ؛ فإنّ المراد منه ليس عدم التفاوت في الرؤية بحسب الزمان قطعا ، فإنّه خلاف الواقع جدّا ، بل المراد بيان إتقان الصنع والتدبير ، وإظهار قدرة اللّه عزّ وجلّ بأنّه جعل الشمس والقمر سراجين لأهل الأرض كافّة ، وأنّ كلّهم يرون شمسا واحدة وقمرا واحدا وليس ما يرى في بلد غير ما يرى في بلد آخر ، كما هو واضح .
ولا لما قيل من أنّ القطع بإمكان الرؤية في بلد وعدمه في آخر غير ممكن لأحد ؛ لابتنائه على القواعد الرصديّة التي قصاراها الظنّ ؛ فإنّ فيه أيضا المنع عن إفادتها الظنّ لأهلها ، بل إنّما هي مفيدة للقطع لهم غالبا ؛ لكونها قواعد مضبوطة حسابيّة مبرهنة ببراهين هندسيّة
هامش
( 1 ) جواهر الكلام ، ج 16 ، ص 361 .
( 2 ) مصباح المتهجّد ، ص 417 ، دعاء السمات .