والثاني ، فيه - مع ما سبق من أنّ رواية الخمسة غير قابلة للعمل مطلقا ؛ لكونها ناظرة إلى الشهور العدديّة ، بل ومفاد المكاتبة غير معقول بوجه من الوجوه - أنّ صريح تلك الأخبار إنّما هو الورود في صورة غمّ بعض الشهور خاصّة ، فلا يمكن تنزيلها على الصورة المفروضة أصلا .
والثالث ، فيه ما لا يخفى من المنع من عدم حجّيّة الاستصحاب في الزمانيّات ونحوها ؛ لما حقّقناه في محلّه من أنّ الليل والنهار والشهر والسنة ونحو ذلك من الامتداديّات لها وجودات اعتباريّة زائدة على نفس الزمان ؛ لأنّها من عوارضه ، كالزوجيّة للأربعة ، وتلك الأمور الاعتباريّة بنفسها قابلة للاستصحاب من غير حاجة إلى استصحاب نفس الزمان .
ألا ترى أنّ الأحكام الشرعيّة - مع أنّ كلّها أمور اعتباريّة وهي عارضة لأفعال المكلّفين وحركاتهم التي هي أيضا مثل الزمان غير قارّة الذات - ممّا يجري فيه الاستصحاب بنفسه ، وذلك لأنّها في نظر العرف بمنزلة الموجود الخارجي .
مضافا إلى أنّ في استصحاب عدم دخول الليل وعدم دخول النهار وعدم دخول الشهر الآتي والسنة الآتية ونحو ذلك غناء عن استصحاب الليل والنهار والشهر والسنة بأنفسها ، بناء على حجّيّة الأصل المثبت مطلقا أو إذا كانت الواسطة خفيّة .
وأيضا كون الشمس تحت الأرض والقمر في المحاق ونحو ذلك أيضا ممّا يمكن استصحابه ، كما اعترف به في المسالك « 1 » .
والمنع عن الانصراف جدّا ؛ لكون الندرة وجوديّة لا إطلاقيّة .
والمنع عن كونه خلاف العادة ، وإلّا لسقط البحث ، ولم نحتج إلى عنوان المسألة .
والمنع عن كون المقام من مجاري البراءة دون الاشتغال ، كما حقّقناه في محلّه من أنّ الأقلّ والأكثر الارتباطيّين وإن كان من مجاري البراءة على المختار ولكن ذلك في غير ما إذا كانت الشبهة مصداقيّة وتعلّق التكليف بمفهوم مبيّن ، وما نحن فيه كذلك ؛ فإنّ مفهوم الشهر - وهو ما بين الهلالين - أو السنة الهلاليّة أمر مبيّن ، ولكنّ الشبهة في المصداق .
هامش
( 1 ) مسالك الأفهام ، ج 2 ، ص 56 .