السماء علّة ، وما دلّ على أنّ الصوم للرؤية والفطر للرؤية ، وغير ذلك من طوائف النصوص المتواترة كلّها ، ولا يبعد أن يرتقي مجموعها إلى مائتي رواية تقريبا ، مضافا إلى إمكان دعوى الإجماع عليه محقّقا ولو مع مخالفة من عرفت ؛ لعدم الاعتداد بخلافه أو لانقراضه ، وعمل المسلمين كافّة ، كما اعترف به في المعتبر « 1 » وغيره .
وأمّا ما في الجواهر « 2 » - من التمسّك بالوجدان أيضا - فكأنّه من جهة أنّه لم يحصّل مراد القائلين بالعدد كما هو حقّه ، فظنّ أنّهم - مع قولهم بأنّ المدار على الأهلّة في الشهور - يقولون بذلك ، وليس كذلك ، بل إنّما ينكرون ذلك من أصله ، كما لا يخفى .
وحجّة الخصم ضعاف عديدة لا يعارض بها نصّ الآية وما أشرنا إليه من المتواترة والإجماع وعمل المسلمين ، فيجب اطّراحها إن لم تقبل الحمل على ما يوافق غيرها لا محالة .
وقوله تعالى :
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
« 3 » . وفيه أنّ إكمال العدّة إنّما أريد منه إكمال عدّة الشهر ، وهو أعمّ من التمام والنقصان .
« و » كذا « لا » عبرة أيضا « بغيبوبة الهلال بعد الشفق المغربيّ في ليلة الرؤية في ثبوت كونه لليلة سابقة » للأصل ، والنصوص الحاصرة المشار إليها ، والناهية عن العمل بالتظنّي ، فإنّ ذلك لا يفيد إلّا الظنّ ؛ لأنّه قد يكون كذلك فيما هو معلوم أنّه هلال ليلة واحدة ، كما لا يخفى .
وخصوص خبر ابن راشد بل وصحيحه ؛ إذ ليس في السند إلّا ابن عيسى ، والحقّ وثاقته :
كتب إليّ أبو الحسن العسكري عليه السّلام كتابا وأرّخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان ، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، وكان يوم الأربعاء يوم الشكّ ، فصام أهل بغداد يوم الخميس ، وأخبروني أنّهم رأوا الهلال ليلة الخميس ولمّا يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل ، قال : فاعتقدت أنّ الصوم يوم الخميس ، وأنّ الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء ، قال : فكتب إليّ : « زادك اللّه تعالى توفيقا فقد صمت بصيامنا » قال : ثمّ لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبت به إليه فقال : « أو لم أكتب إليك إنّما صمت الخميس ، ولا تصم إلّا للرؤية ؟ » « 4 » .
هامش
( 1 ) المعتبر ، ج 2 ، ص 688 .
( 2 ) جواهر الكلام ، ج 16 ، ص 364 .
( 3 ) البقرة ( 2 ) : 185 .
( 4 ) تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 167 ، ح 475 .